مرة أخرى تضرب يد الاغتيال في بيروت. ومرة أخرى يكون المشطوب سياسياً ــ صحافياً لبنانياً. ومن جديد يهتز الوضع في هذا البلد، المنهك أصلاً. نزيفه الأمني والسياسي المتواصل منذ سنة ونيّف وضعه أو يكاد، في حالة قريبة من انعدام الوزن.

ففي كل مرة تحصد جرافة الاغتيال والتفجير واحداً من قائمة المستهدفين، يدفع لبنان الثمن، بصرف النظر عن الضحية، وموقعه ومواقفه. يدفع البلد، ليس من أمنه فقط بل أيضاً وأساساً من ما هو أخطر: من قدرته على تلمس سبيله إلى الخروج من النفق، الذي طالت مسافته وكبرت كلفته وكثرت علامات الاستفهام المحيطة به.

وكأن المقصود، في نهاية المطاف هو دفع لبنان إلى حافة الهاوية غصباً عنه. وبقدر ما يعاند، بقدر ما يزداد الإصرار على جرّه إلى هذه النقطة.

منذ أواخر العام الماضي والمسلسل متواصل. مرَّ بمحطات عديدة منها ما كان مزلزلاً؛ ومنها ما جاء كرسائل تؤشر إلى المقبل الأسوأ. وفعلاً كان الأسوأ يأتي؛ حتى بات السؤال: وهل ينتهي موسم الاغتيالات؟

بل حتى بات لبنان يعيش على أعصابه. وما يزيد من البلبلة أن كل الأبواب والاحتمالات مفتوحة. كل الأمور معلّقة فيه. والهزّات الأمنية، ما ان تغيب حتى تعود بصورة أشرس وأعنف.

ويبدو أن من جملة أهداف هذه العودة هو تعميم الاعتقاد، خاصة لدى اللبنانيين، بأن بلدهم بات مكشوفاً، بل يزداد انكشافاً، وبما يبعث على تعميم الشعور باليأس والعجز ووضع الأمور بين المقادير.

وفي هذا السياق لم يكن من غير مغزى أو مدلول أن تسبق اغتيال أمس، سلسلة من الاختراقات الأمنية في أكثر من منطقة لبنانية خلال اليومين الأخيرين بحيث كانت بمثابة الرسالة التي تفيد بأن البلد مستباح وان الجميع مهدد ورقبته تحت المقصلة.

من هنا وبقطع النظر عن الدوافع ــ التي تتراوح بين تصفية حسابات معينة وبين نشر البلبلة والخوف وتوسيع الشروخ في الجبهة الداخلية. وبقطع النظر عن من هي الضحية ــ أو من هو المستفيد أو من هو الفاعل فان المستهدف، عمداً أو عن غير عمد، هو لبنان. فمثل هذه الاغتيالات تترتب عليها مضاعفات وذيول سياسية، ناهيك عن الأمنية، تزيد من تعقيدات الوضع الداخلي.

وهمومه وصعوباته المتراكمة والتي يبدو أنها باتت تفوق قدرة هذا البلد الشقيق على التصدي لها لوحده إن لم نقل على احتمالها. فالحمولة ثقيلة وانعكاساتها الداخلية خطيرة، اذا لم يحصل تطويق سريع للتداعيات.

وإذا كان هناك تسليم بأن متاعب لبنان هي أيضاً متاعب عربية، فإن الإسراع إلى طرح مبادرة انقاذ عربية تصبح من باب المقتضى المتوجب قبل أن يصير هذا البلد العربي على كف عفريت.