من المفارقات المثيرة للحزن في عالم السياسة ان يتزامن الاحتفال باليوم العالمي لحقوق الانسان مع الذكرى 56 لصدور القرار الدولي 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي ينص على حتمية عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم الاصلية التي شردتهم منها اسرائيل.
وقد شهدت السنون الست والخمسون جهودا تآمرية لتحريف هذا القرار والقرارات الاخرى الصادرة عن المنظمة الدولية سواء من مجلس الامن أو من الجمعية العامة، بينما لم يتضح في الافق حتى الآن ما يشير إلى نية جادة لتطبيق هذه القرارات التي مضى عليها اكثر من نصف قرن، والسبب ببساطة ان المطلوب منه الامتثال هو اسرائيل التي لا تنفك تعلن تمردها على ارادة المنظومة الدولية دون اي ردود فعل ملموسة لقمع هذا النزق الاسرائيلي المتزايد.
ورغم ان منظومة القرارات الدولية هذه قد تم الالتفاف عليها بالفعل عبر مجموعة من التفاهمات والاتفاقات الجانبية برعاية دول عظمى آخرها ما يعرف الآن بـ (خارطة الطريق) الا ان هذه التفاهمات والبيانات لم تجد طريقها مطلقا نحو التنفيذ رغم الهالة الاعلامية التي تصاحب صدور مثل هذه التفاهمات والاعلانات.
وسرعان ما يتضح ان صياغة هذه الاتفاقات تكون محتوية في ثناياها على ما يشبه الشراك الخداعية أو القنابل الموقوتة التي تنفجر في وجه من يحاول استلماح المحتويات الداخلية والشياطين الكامنة في التفاصيل داخل تلك الاتفاقات وحين تحين الفرصة الملائمة يتم اعلان وفاة هذه الاتفاقات من جانب الساسة الاسرائيليين والأميركيين على السواء وبكل جرأة دون اية حمرة خجل من المقارنة بين التأكيد في البداية على الدفع باتجاه تنفيذ الاتفاق وبين النهاية الممثلة في استخراج شهادة الوفاة على ورقة اسرائيلية مدموغة بخاتم الادارة الاميركية .
لقد ظل الرئيس الاميركي جورج بوش يؤكد التزامه بتنفيذ خارطة الطريق وحين اقتربت نهاية العام المقرر لقيام الدولة الفلسطينية حسب بنود الخارطة صرح بوش نفسه بأن قيام الدولة لن يتم مع وجوده في البيت الابيض وحين نفذ شارون اخلاء غزة من المستعمرين رددت واشنطن إن هذا الاخلاء جزء من خارطة الطريق ، لكن ديفيد ولش مساعد وزيرة الخارجية الاميركية صرح اخيرا بان اخلاء غزة لا علاقة له بأي مشروع سلام طويل الامد بل هو سلوك انفرادي من جانب واحد.
وهاهو أحد قادة اسرائيل المرتقبين (عمير بيريتس) زعيم حزب العمل الاسرائيلي يصرح امس لصحيفة يديعوت احرونوت ان خارطة الطريق ما هي الا مضيعة للوقت وان الخارطة مجرد وصفة مناسبة لتجميد العملية السلمية قد يدوم سنوات.
وليس من الصعب ان يلمح المراقبون سبب انهيار الخارطة والكامن في بند (وقف العنف) وهو تعبير مطاط ركبه الاسرائيليون لاثبات ان الفلسطينيين لم يلتزموا من جانبهم بالخارطة ومن ثم فلا تجميد للاستيطان ولا قيام لدولة فلسطينية، ولا عزاء لخطة السلام العربية الصادرة في قمة بيروت منذ سنوات عدة.
إن التوافق بين ذكرى حقوق الانسان وذكرى القرار 194 سيعود إلينا كل عام ضاربا ناقوس الإفاقة لكل الضمائر الحية ومؤكدا ان حقوق الشعب الفلسطيني لن تضيع مهما سعى الى ذلك الساعون، فهو شعب مناضل قدم ومستعد لأن يقدم من التضحيات ما يؤكد ان ذاكرته الحديدية لا تنسى تفاصيل القضية.