يبدو أن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، أصبح من هواة تفجير القنابل القوية، التي تحرك المياه الساكنة على الساحة الدولية، وتفجر حالة من الغليان والغضب والانفعال الذي يصل إلى حد التشنج، لاسيما إذا لامس بكلامه وتصريحاته إسرائيل.!!
وفي الوقت الذي لم تهدأ بعد العاصفة التي أثارها في نهاية أكتوبر الماضي، عندما قال انه «يجب إزالة إسرائيل عن الخريطة »، عاد وفجر قنبلة ثانية لا تقل قوة على الإطلاق، عندما وصف إسرائيل بالسرطان، مقترحاً نقلها إلى أوروبا، متسائلا لماذا يتوجب على الفلسطينيين ان يدفعوا ثمن اضطهاد اليهود إذا كانوا اضطهدوا؟
وقال وهذا هو الأهم إن بعض الدول الأوروبية تصر على القول إن أدولف هتلر قتل الملايين من اليهود الأبرياء في المحارق ويصرون على ذلك لدرجة انه إذا اثبت احد عكس ذلك يدينونه ويزجون به في السجن.
وأضاف على الرغم إننا لا نقبل بهذا الزعم وإذا افترضنا انه حقيقة نسأل الأوروبيين.. هل قتل هتلر للشعب اليهودي البريء هو سبب تأييدهم لمحتلي القدس؟
هذه التصريحات المشككة في المحرقة، التي تجلد إسرائيل الغرب بها، وتستخدمها فزاعة من اجل عدم التعرض لها، ومن أجل السكوت عن ممارساتها الإجرامية على ارض فلسطين، استدعت ردود فعل دولية كثيرة غاضبة، نختار منها تصريحاً واحداً فقط للأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان،على اعتبار انه يمثل المنظومة التي تحتضن دول العالم، ولا يعبر عن دولة بعينها لها سياستها الخاصة، ويفترض فيه التوازن وعدم التحيز لأي طرف.
قال عنان في تصريحه إنه «مصدوم » من تصريحات نجاد، داعياً «جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى التصدي لإنكار وقوع المحرقة وتثقيف شعوبها بالوقائع التاريخية الموثقة حول محرقة اليهود التي أبيد خلالها ثلث الشعب اليهودي إلى جانب أعداد لا تحصى من الأقليات الأخرى».
وأضاف: إن «كل الدول الأعضاء مدعوة إلى الامتناع عن تهديد واستخدام القوة ضد سلامة ووحدة أراضي أي دولة واستقلالها السياسي».
من حق عنان إذن أن يدين ويغضب، فهذا دوره كأمين عام للأمم المتحدة، لكن لماذا لم ينبس ببنت شفة، عندما صرح قبل أيام رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق والمرشح المرجح لحزب ليكود إلى الانتخابات العامة في مارس المقبل بأنه يجب القيام بعمل عسكري ضد البرنامج النووي الإيراني، مهدداً إيران بمثل هذا الهجوم في حال وصوله إلى السلطة.
ليس هذا فقط، بل إذا كان عنان مؤمناً بأنه على دول العالم، الامتناع عن تهديد واستخدام القوة ضد سلامة ووحدة أراضي أي دولة واستقلالها السياسي، فلماذا لا يتذكر ان هناك شعباً تحتل أرضه ويقتل أبناؤه وتسرق مياهه وتهان مقدساته ليلاً ونهاراً، من دون أن يطلق إدانة واحدة، أو يطرف له جفن.
ألا يندرج هذا في إطار النفاق السياسي الذي أصبح يميز العلاقات الدولية في الوقت الراهن، ويجعل من الحقوق والشرعية، مسألة هامشية تخضع لإعادة نظر، لاسيما إذا كان المتضرر منها طرفاً ضعيفاً، لا يملك القوة لاستعادة ما فقده على أيدي المحتل.
وإذا كان هناك من يقول الآن انه توجد حقائق تاريخية معروفة جيدا فيما يتعلق بالحرب العالمية الثانية بما فيها محارق النازي، وهذه الحقائق لا يمكن تغييرها ويتعين على الجميع فهم هذا، فلماذا لا يقولون أيضاً إن هناك عشرات القرارات الدولية التي صدرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بشأن القضية الفلسطينية، ولم ينفذها الاحتلال الصهيوني، وانه آن الأوان ليتم ذلك، حتى ولو بإجبار إسرائيل على تنفيذها.
إننا نعتقد أن العرب والمسلمين، سيظلون عرضة لهذا النفاق والإجحاف وعدم التوازن في السياسات المتبعة تجاههم، طالما ظلت موازين القوى على هذا الشكل الموجود حاليا، وطالما كانت الفرقة والخلافات هي العنوان الأبرز للعلاقات بين الدول العربية والإسلامية.
وبالتالي فإنه لكي تصمت الأفواه التي اعتادت التجريح والنيل من حقوقنا، فعلينا أن نقترب أكثر من بعضنا البعض، وأن نحيل خلافاتنا إلى الماضي، حتى نعيش الحاضر ونستقبل المستقبل بلا قيود.