بلد بلا كهرباء، عاصمة تملؤها المزابل، شوارع مصادرة، مياه شرب ملوثة، لا بنزين للسيارات ولا وقود للتدفئة، التعليم بلا هدف ولا معنى ولا ضوابط أخلاقية أو وطنية ترسم ملامحه ومناهجه، مستشفيات لا تعمل إلا لتطبيب الجرحى.

أو إصدار شهادات الوفاة بحق الذين تزهق أرواحهم في تفجيرات الحقد الأسود المنظم، شرطة لملاحقة الأبرياء وابتزازهم، جيش لتدمير المدن واستباحة حرماتها، ميزانية خاوية، مليشيات تحكم بالترهيب، أحزاب بالعشرات لا احد يعلم من يموّلها أو يحرسها.

وزراء بلا وزارات، سجن اخضر كبير يجمع الجميع ممن هم خارج الصف الوطني، شعب تحاصره الآهات والأمراض والبطالة والدبابات، غياب الأمن وشيوع ثقافة الموت والتفجيرات واستباحة الكرامة الإنسانية والأعراض والأعراف.. احتلال.

لقد عاش العراقيون كل ما كانوا يسمعون به من قصص قديمة كانت تحدث ربما خلال فترات الاحتلال الذي أعقب سقوط بغداد العباسيين بيد التتار، فتلمسوا ما كان يوصف بالهرج والمرج، وكل من وكل يعمل ما يريد، والطايح رايح.. وغيرها من الممارسات والصور التي لم تعد العراق إلى ما قبل عهد الثورة الصناعية فحسب بل إلى عهود أمرّ وأنكى.

كل ذلك في العراق.. ورغم ذلك تجد اليوم في شوارع المدن العراقية ملايين الملصقات الإعلانية لعشرات الكتل السياسية ومئات المرشحين الذين يستجدون بشكل فاضح الناخب العراقي لكي يضع رقم قائمتهم الانتخابية في صندوق الانتخاب !ورغم أن النسبة الأكبر من قادة هذه الكتل موجودة فعليا في السلطة الآن.

أو كان فيها خلال الفترة التي أعقبت احتلال العراق إلا أنهم بلغوا حدا من الاستهانة بمقدرات الناخب وصبره والمتبقي من روح الأمل بغد أفضل لديه، فيخرجون كل يوم ليعدوه بوعود يداعبون بها خياله المتعب ليس إلا ! فهذا يقول سأعطي العراقيين حصصهم من عائدات نفط العراق تصل إلى بيوتهم بمظاريف سنويا، وذاك يقول سننهي حالة الاحتلال، وآخر يقول سنبسط الأمن، و.. و.. الخ.

إن الانتخابات هي نتاج طبيعي لحق الشعوب في اختيار قادتها ودساتيرها ولكن أليس من المفروض أن يكون للانتخابات ظروفها ؟ أم إنها فقط إسقاط فرض يجعل الآخرين يقولون لا حقاً:

إنها حكومة منتخبة وشرعية وان على الجميع الانتظار أربع سنوات ليتحملوا كل نتاجها السيئ ومن يعارضها فهو إرهابي يستحق الاعتقال في سجون سرية أو يقتل في سيارته أو على باب بيته!

إن موروثنا الديني وأعرافنا الأدبية والاجتماعية افترضت علينا ممارسات وأقوالاً ربما أصبحت تلقائية جدا ولا إرادية، وفي موضوع الحمد تعلمنا أن نقول الحمد لله والشكر طلبا للاستزادة من الشيء.

وما يأتينا إليه من خير وبركات.. وبعد كل ما جرى ويجري في العراق اليوم وتحسبا لما يمكن أن تكون من زيادات فيما يعانيه الناس هناك لا يسعنا إلا نقول.. الحمد لله.

Farisalkhattab26@hotmail.com