منذ أكثر من عقد ونصف من الزمان وبشكل أكثر تحديدا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وبالتالي نظام القطبين وهيمنة القطب الواحد نعرف تدريجيا مفاهيم سياسية مثل (السيادة المنقوصة للدول) الأمر الذي يبيح للمجتمع الدولي ومؤسساته وحتى لبعض الدول الأقوى التدخل بشؤون دول أخرى تحت شتى الأسباب أو الذرائع مثل الحرب الأهلية .
كما حدث في يوغوسلافيا السابقة ورواندا والصومال وأفغانستان وغيرها، أو في دول يرى المجتمع الدولي أو مجموعة من أقطابه الأقوى أن قيادتها وسلطتها تقومان بقمع شعوبها أو أجزاء منه لأسباب عرقية أو دينية أو غيرها أو في التصدي لدول معتدية على دول وشعوب أخرى لأطماع جغرافية أو سياسية أو اقتصادية.
واستنادا لمفهوم السيادة المنقوصة فإن بمقدور هذه الدول التي تدعي أو ترى بنفسها أو يخولها المجتمع الدولي تمثيل العدالة، القيام استنادا للقوة المادية التي تتمتع بها والتخويل السياسي من المؤسسات الدولية التدخل من اجل وضع حد للحالة القائمة حتى لو تطلب الأمر الاعتداء على سيادة الدولة المقصودة بالقوة،.
ووفقا لهذا لم تعد سيادة الدول وحدودها محمية دائما بالقانون الدولي خاصة عندما يقوم حكامها بالاستبداد بشعوبهم أو بأجزاء من هذه الشعوب أو بالاعتداء على جيرانهم.
ومفهوم السيادة المنقوصة لا يعمل وحده ومن ذاته دائماً، فلكي يكون له سند قانوني جرى اقرار «القانون الإنساني الدولي» و«محكمة الجزاء الدولية» وهما إضافة لاتفاقات جنيف عام 1949 ومحكمة العدل الدولية يعتبران من أهم منجزات المجتمع الدولي من اجل حماية الشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو الضعيفة أو الواقعة تحت الاستبداد والقمع لأسباب سياسية أو دينية أو عرقية.
وهناك عدد من الدول الأوروبية أجازت محاكمها الخاصة إلقاء القبض على أو محاكمة من يخرقون القانون الإنساني الدولي ومحاكمتهم كمجرمي حرب،أو مرتكبي جرائم موصوفة بالإبادة الجماعية ومخالفة للقانون الإنساني الدولي، واستنادا لهذا قامت المحاكم البلجيكية بمحاكمة وزراء من رواندا وبوروندي لاتهامهم بجرائم الإبادة الجماعية.
وقامت مجموعة من المحامين العرب والدوليين برفع دعوى ضد ارييل شارون رئيس وزراء إسرائيل الحالي لمسؤوليته عن مجازر صبرا وشاتيلا أمام القضاء البلجيكي،وقد قبلت المحكمة الدعوة واستمعت للشهود الأحياء، لكن تمت حمايته قانونيا كونه رئيس وزراء يتمتع بالحصانة ولا يجوز استدعاؤه أمام المحكمة.
وبمعزل عن القبول أو عدمه بهذا المبرر الذي لجأ الائتلاف السياسي الحاكم في بلجيكا في حينه، إلا انه يبقى الأمر مفتوحا لاستدعاء شارون للمثول أمام المحكمة البلجيكية أو غيرها، وحتى أمام محكمة الجزاء الدولية بعد انتهاء رئاسته للوزراء.
وقد قامت محكمة بريطانية بإقرار القبض على الجنرال الإسرائيلي وقائد المنطقة الجنوبية دينا دورون لمسؤوليته عن المجزرة التي ذهب ضحيتها ما يقرب من 17 مدنيا فلسطينيا بقطاع غزة عام 2003.
مما دفعه للبقاء بالطائرة والعودة على متنها الى تل ابيب، رغم انه كان مدعوا لإلقاء محاضرات في لندن، وسبق ذلك مغادرة شاؤول موفاز وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي لندن مسرعا، لأن هناك مجموعات مدافعة عن حقوق الإنسان كانت تعمل لرفع دعوى ضده لمسؤوليته الشخصية عن مجزرة مخيم جنين في عام 2002.
وهناك اليوم عدد من القادة العسكريين الإسرائيليين الذين امتنعوا عن السفر الى بعض الدول الأوروبية خوفاً من اعتقالهم بسبب جرائم الحرب أو الإبادة الجماعية التي ارتكبوها ضد الشعب الفلسطيني، لا شك ان هناك دولاً في مقدمتها الولايات المتحدة تعمل لتوظيف القانون الإنساني الدولي بما يتوافق مع مصالحها .
وتعمل لتجنيب نفسها واستثناء جنودها من المثول أمام محكمة الجزاء الدولية ولهذا لم توقع على قرار إنشاء المحكمة إلا إذا ضمنت لجنودها هذا الاستثناء بحجة انه خرق لسيادتها.
ونسيت أو تناست خرقها اليومي لسيادة العديد من الدول ولحقوق الشعوب الإنسانية وسعت للحصول على هذا الاستثناء باتفاقيات ثنائية مع عدد من الدول بعدما شعرت ان اعتراضاتها لم تعطل قرار تشكيل محكمة الجزاء الدولية وان الكثير من الدول بما فيها الدول المؤثرة في القرار الدولي وافقت عليها وعلى قرار تشكيلها وصلاحياتها.
واستنادا لهذه الممارسات والمواقف من الطبيعي ان يتزايد قلق العديد من الشعوب والدول من سياسة ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين عند تطبيق القوانين الدولية بل تجاوزها والقفز عن المؤسسات الدولية أحياناً استناداً «لقانون المصلحة والقوة» كما حدث عند احتلال العراق عام 2003.
ان معاندة عدد من الدول لقرارات الشرعية الدولية خاصة الدول المعتدية كإسرائيل أو الكبرى كأميركا عندما يتصل الأمر بها أو بمصالحها أو محاولتها لتوظيف هذه القوانين لخدمة هذه المصالح يجب ألا يثنينا عن التمسك بالشرعية الدولية ومواثيقها وقوانينها لأنها مازالت سلاحا أساسيا فعالا بأيدي الشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو الاستبداد أو غيره من أشكال العدوان.
والاضطهاد السياسي العرقي أو الديني، وكان ولا يزال بمقدورها وبمقدور المدافعين عن الحقوق الإنسانية وعن حقوق الشعوب بتقرير مصيرها وحريتها وديمقراطيتها من التسلح بهذه القوانين والقرارات سياسيا ودبلوماسيا وإعلاميا وقانونيا.
وتجد الدعم من العديد من الشعوب ومن المجتمع الدولي والأمثلة على هذا كثيرة وأخرها لجنة التحقيق الدولية برئاسة المحقق الألماني ديتليف ميليس بجريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري ورفاقه.
فقد فتح التحقيق ونتائجه أفقا جديدا أمام العدالة الدولية وأمام الشعوب معا،بحيث سيكون ما حدث حتى الآن عنوانا لمرحلة جديدة في دور القانون الدولي ومد نفوذه على قضايا الاستبداد والاغتيال السياسي .
وسيكون له ما بعده لان رؤساء العديد من الدول وقادة أجهزتها الأمنية من الذين لم يقيموا وزنا للعدالة ولحياة البشر في بلدانهم ولا يخشون من المحاسبة القانونية، سوف يحسبون اليوم ألف حساب من الآن فصاعدا لتصرفاتهم سواء كانوا في الخدمة ام خارجها.
ان الأمر المهم هو تفعيل القانون الإنساني الدولي ومحكمة الجزاء الدولية وتوظيف هذه السوابق العديدة في خدمة معاركنا ضد الاحتلال الإسرائيلي وممارسات قادته وجنوده.
كما حدث حتى الآن بشكل أولي ضد عدد من القادة العسكريين والتصدي لسعي الإدارة الأميركية باستثناء موظفيها وضباطها وجعل نفسها فوق القانون الدولي مع أنها من أكثر الدول خرقا له وتوظيف هذه القوانين والسوابق في مواجهة مخترقي حقوق الإنسان والشعوب في بلداننا العربية.
ان قرار محكمة العدل الدولية بشأن جدار العزل العنصري وقرار بعض المحاكم الأوروبية في بلجيكا وبريطانيا بتوقيف ضباط كبار إسرائيليين بما فيهم شارون وتشكيل محكمة الجزاء الدولية وإقرار القانون الإنساني الدولي وغيرها من قرارات خاصة وقوانين عامة بما فيها قرارات الشرعية الدولية بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والعربي الإسرائيلي، كلها تشكل أدوات فعالة سياسيا وجماهيريا وإعلاميا.
ومعنويا بأيدي شعبنا الفلسطيني خاصة وشعوبنا العربية عامة،والمهم ان نحسن الاستفادة منها وألا تقعدنا خسارة هذه المعركة أو تلك أو عدم تحقيق نتائج مباشرة سريعة فالنجاح في هذا المجال يتطلب المثابرة وتضافر الجهود وتوحيد القوى والإمساك بآليات الفعل الصحيحة.
عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية