تسد بعض المؤسسات الإعلامية في الدولة أبوابها وتوصد كل السبل أمام الباحثين من طلبة إعلام وأكاديميين ومهتمين بالشأن الإعلامي بمنعها السماح لهم بإجراء أي بحث إعلامي يتم تطبيقه عليها. وتتحول هذه المؤسسات بتصرفها هذا إلى عائق رئيسي أمام إجراء أي بحوث إعلامية قد تكون في يوم ما أساساً لاتخاذ قرارات إعلامية مصيرية لمستقبل الإعلام في دولة الإمارات .
وتتبنى إدارات هذه المؤسسات منطق ان البحث الإعلامي الذي يتم فيه توزيع استمارات على العاملين فيها من صحافيين ومحررين وإداريين قد «يفضح» أسرار ما يجري داخل المؤسسة من ممارسات وآلية عمل وعلاقة بين الرؤساء والمرؤوسين وعدم رضاء وظيفي وسلوكيات إدارية وأساليب اتخاذ القرارات وغيرها.
وتذهب هذه المؤسسات في أوهامها ومخاوفها إلى أبعد من ذلك وهو أن النتائج التي قد تسفر عنها الأبحاث العلمية المطبقة على عينة من العاملين فيها قد تستخدم كأداة في يد المؤسسات الإعلامية وغير الإعلامية المنافسة وقد تتخذها كوسيلة في حربها التنافسية في الأسواق.. ولذلك تجاهد هذه المؤسسات بشق الأنفس كي لا تتسرب أي معلومة عن طبيعة نظامها الداخلي ووضعية الموظفين لديها.
هذا الخوف غير المبرر من قبل هذه المؤسسات زرع في عقلية الباحثين الإعلاميين قناعة تامة بأن ما يجري داخل هذه النوعية من المؤسسات هو من السوء بمكان بحيث يكون رد الفعل الدائم على أية محاولة بحث علمي مهما كانت فكرته هو الرفض التام والصارم من إدارات هذه المؤسسات.
وكثيرا ما يتحايل صاحب البحث بأكثر من طريقة من اجل إجراء بحثه فيأخذ عينة بسيطة يوزع عليها الاستبيان بالاعتماد على بعض معارفه من العاملين في هذه المؤسسات لتتحول محاولات البحوث العلمية إلى ما يشبه السرقة والاختلاس!
ويسوق بعض الباحثين نماذج وصوراً من كيفية التعامل معهم من قبل بعض المؤسسات الإعلامية. يقول أحدهم: إن بعض القائمين على إحدى المؤسسات الإعلامية يتصرفون بعداء واضح تجاه الباحث ويوصدون أمامه كل الأبواب.
ويمنعونه حتى من الدخول من باب المؤسسة لعرض فكرة البحث والتفاهم على موضوعه ويكون الرد المباشر ان إجراء البحوث في المؤسسة مرفوض قلباً وقالباً.
باحث آخر يروي حكايته مع مؤسسة إعلامية حكمت على بحثه بأنه يكشف كل أسرار المؤسسة ويجعلها عرضة للمنافسين ويهدد مستقبلها ووجودها في الأسواق! ويقول هذا الباحث بأنه أضاع أكثر من خمسة أشهر متواصلة من محاولات الإقناع و(الواسطات) إلى ان وصل إلى درجة ان احد أبرز القائمين على تلك المؤسسة أعطاه الضوء الأخضر .
وطلب منه إحضار ما لديه من استبيانات ليبدأ بتوزيعها لأنه لم يجد فيها ما يخيف او يهدد وجود المؤسسة. إلا انه وفي اليوم المحدد لتوزيع الاستمارات وقف البعض من الإداريين موقف الرافض ومنعوه من الاستمرار في توزيع الاستبيان الأمر الذي اضطر معه الباحث إلى العودة إلى جامعته خارج الدولة لتغيير خطة البحث بالكامل واقتصارها على المؤسسات التي سمحت له بتوزيع استماراته.
ويقول ان هذا التضارب في حد ذاته في القرارات يكشف التخبط الذي تعانيه إدارات بعض المؤسسات الصحافية والخوف غير المبرر لكيفية حماية تواجدها في الأسواق.
ويؤخذ على هذه النوعية من المؤسسات الإعلامية أنها - وهي الجهات التي يفترض أن تقف وراء دعم المعرفة وإثرائها - هي من يقف في وجه المحاولات والجهود الإعلامية الرامية للتطوير والتنمية والإسهام المعرفي. فمعروف ان البحث العلمي يستهدف في الأساس توفير المعلومات والبيانات والمتغيرات التي تؤثر في مسيرة الإعلام وحركته.
والبحث العلمي بنتائجه التي يتوصل إليها يضع بين أيدي المسؤولين وأصحاب القرار كل الجوانب الايجابية والسلبية التي يعمل من خلالها الإعلام وبذلك يسهل عليهم رسم الاستراتيجيات المطلوبة في ضوء العلاقة بين المتغيرات والعناصر التي يكشف عنها البحث العلمي.
هذا ناهيك عن حتمية البحوث العلمية الإعلامية في دولة نامية كالإمارات ومدى الحاجة اليها خاصة في ظل النقص الشديد في عدد البحوث العلمية في مجال الإعلام .
وفي ظل عدم تقدير أهمية هذه البحوث وما يمكن ان تسهم فيه من سد للهوة العميقة بين ما يطمح الإعلام إلى تحقيقه وبين ما تتم ممارسته بالفعل من جراء النقص في الأساس العلمي السليم الذي يفترض ان يستند اليه الإعلام في سياساته وممارساته ومسيرته وقراراته.
ان النقص في البحوث العلمية عن الإعلام المحلي يشكل عائقا أمام المخططين والمهتمين بدفع مسيرة الإعلام المحلي إلى الصدارة وقد يؤدي إلى الاستعانة بنتائج بحوث إعلامية جرت في دول مختلفة خاصة الدول الأجنبية.
ورغم أهمية الاطلاع على ما توصلت اليه البحوث الأخرى في الدول الأخرى الا ان الخطورة تكمن في تطبيق النتائج او الأخذ بها من دون مراعاة الاختلاف بين المجتمعات وتجاربها الإعلامية وظروفها الثقافية والمجتمعية والحضارية.
البحث العلمي نشاط أساسي لأي مجتمع يريد أن يطور نفسه ويجد حلولا لمشكلاته. والتقدم العلمي مرهون دوماً بنتائج البحوث العلمية وما تسفر عنه من إضافات.
كما ان مسؤولية مؤسسات الإعلام لا تقف عند حد التغطية الإعلامية وسد حاجة القارئ او المعلن فقط، بل تتعداه إلى ضرورة الإسهام في حل المشكلات البيئية والاجتماعية والثقافية السائدة. وإحدى أساليب حل هذه المشكلات هي المساهمة في إتاحة المعلومات والبيانات للباحثين والدارسين في الشأن الإعلامي.
Heyamm@albayan.ae
مديرة ادارة التطويرـ البيان