كلما أغلق ثقب في جدار الخلافات العربية انفتح آخر، ولو حصرنا عمليات قطع العلاقات وإغلاق الحدود والمؤامرات بين بلد وآخر، لاحتجنا إلى طبيب مصحة نفسية، يشخّص لنا العلل والأمراض التي تسربت إلى خلايانا منذ أول انقلاب، وإلى آخر عملية إرهابية..
فكما المشرق هو مستودع الخلافات، وحالات الاحتقان النفسي، فإن المغرب العربي أصيب بنفس العدوى، وتجذر الأمر بما هو أخطر، أي أن البلد الذي يحمل هوية واحدة، بدأ يعلن انقسامات دينية، وقبلية ومناطقية كل يريد أن يكون كياناً منفصلاً عن الآخر.
وبدلاً من شعارات الوحدة أو الاتحاد إلى ما قبل الهزائم من إسرائيل، جاء من يعرّفنا على الفدرالية معتبراً أن المذهب، أو الحارة مستقل عن الآخرين، وربما يصنف المواطن على شروط جديدة تتناسب والفدرالية المطروحة..
نموذج لبنان وسورية، حصيلة تراكم هائل عجز التوفيق بين البلدين، وحل المشكلات من داخلهما، وصرنا نرى فرنسا تعيد سيرة مندوبها السامي، وتدخل على الخط السيدة الأولى من واشنطن لتأتي بالمحققين، وقضاة الادعاء العام، ومطالب لبنانية بمحاكمات دولية لقتلة الحريري، والمقبرة الجماعية بالبقاع، والتي تراوحت الشهادات حولها بين اللبنانيين في المنطقة من أنها حصيلة قصف إسرائيلي، وآخرون اعتبروها نتاج قتلى الاستخبارات السورية، في حين تشير الإحصاءات اللبنانية إلى أن ما يصل إلى ثمانية عشر ألف لبناني مفقودون بسبب الحرب الأهلية، ولو فتح لها تحقيق لاحتاج اللبنانيون لكل قضاة العالم ومحققيها..
سورية تقول إنها عثرت على مصنع متفجرات، وأسلحة مهربة من لبنان، وجرى صدام مع عناصر إرهابية محسوبة على تيار إسلامي، ولديها شهود وربما وثائق تدين شخصيات بمراكز حساسة لبنانية، وقد يفتح الطريق لخلق صراع طويل، تكون الملفات السرية وقوده لحروب نفسية وقلاقل داخلية..
الحالة العربية تشبه من يجدّف بالسراب، أي أنك لا تعثر على الحقيقة إذا كانت أي إشاعة، أو اتهام يتحول إلى قرينة إدانة، ومن ثم تعلن حالات الطوارئ، ويأتي مندوب أو أكثر من بلد عربي، أو يستدعى الخصوم لطاولة حوار.
لكن مثل هذا المجهود يضيع في الفراغ، وبالتالي لابد أن يكون التدخل الأجنبي هوالحل الأهم، وكأننا لا نضمن أمننا إلا بوسيط دولي، أو قوة عظمى، وهذه العقدة التي تكرست منذ عهد الاستعمار، عادت لتكون العلاج لما بعد الاستقلال..
الفصل بين قضايا سورية ولبنان، مستحيل، لأن من قال عن «تلازم المسارين» أعطى منطقاً لهذا التعبير، إذ ليس من الضروري أن يكرس هذا المفهوم للوضع مع إسرائيل فقط، أو إيقاف عمليات الإصلاح السياسي، والاقتصادي، بل بحتميات ما تفرضه الرقعة الجغرافية، والتداخل الشعبي والتاريخ المشترك، والتي هي مرتكزات هذا الوجود وضروراته..