مع تعاظم الخسائر الأميركية في العراق، بدأ الساسة هنا في الوطن يتشاجرون حول من قال ماذا ومتى عن أسلحة التدمير الشامل والحاجة لشن الحرب.
وأحد الاتهامات الأكثر تكراراً هي أن الرئيس جورج بوش بالغ في تضخيم علاقة غير موجودة أصلاً بين صدام حسين والقاعدة. وإننا نتيجة لذلك حولنا اهتمامنا عن مهمة القضاء على الإرهابيين الحقيقيين، وبدأنا حرباً جديدة ومكلفة للإطاحة بديكتاتور علماني.
هذا الاتهام زائف لأسباب عديدة، وغير منطقي لأسباب أكثر.لقد حذرت كل الوكالات الحكومية المسؤولة تقريباً منذ زمن طويل من صلات صدام حسين بإرهابيي القاعدة. ففي عام 1998، على سبيل المثال.
عندما وجهت وزارة العدل في إدارة كلينتون اتهامات رسمية لابن لادن، جاء في نص الوثيقة القضائية: »إن القاعدة توصلت إلى تفاهم مع الحكومة العراقية، بألا تعمل القاعدة ضد تلك الحكومة وأن تتعاون القاعدة معها في مشاريع محددة بما في ذلك تطوير أسلحة الدمار الشامل.
وبعد ذلك في أكتوبر 2002، حذر جورج تينيت مدير الـ»سي آي إيه« المعين من قبل كلينتون مجلس الشيوخ من أن »لدينا تقارير موثقة عن وجود اتصالات على مستوى رفيع بين العراق والقاعدة تعود إلى عشر سنوات«.
ووافق على ذلك 77 سيناتوراً ـــ أغلبيتهم من الديمقراطيين ـــ وأوردوا ذكر هذه الاتصالات بعد ذلك بأيام قليلة كسبب لشن الحرب ضد صدام... »بينما يوجد أعضاء من تنظيم القاعدة في العراق«.
إن إجماع كلا الحزبين على وجود هذا التحالف بين صدام والقاعدة لم يكن مبنياً على شائعات غير مؤكدة من حدوث لقاءات بين عملاء استخبارات صدام وعناصر ناشطين في القاعدة مثل محمد عطا الذي اشترك في تنفيذ هجمات 11 سبتمبر.
ولم يزعم الرئيس بوش أن أياً من أعضاء مجلس الشيوخ بأن صدام نفسه خطط لهجمات 11 سبتمبر. لكن وزارة العدل ومجلس الشيوخ وكلتا إدارتي بوش وكلينتون كانوا قلقين من الهجمات الإرهابية الموجودة في العراق مثل أنصار الإسلام والجماعة الحليفة للقاعدة، التي أسست لنفسها قواعد في كردستان العراق.
وأهم من ذلك أن أحد مدبري هجوم 1993 على مركز التجاري العالمي في نيويورك، واسمه عبد الرحمن ياسين، فرّ إلى بغداد حيث وجد ملاذاً آمناً عند صدام حسين بعد الهجوم. وبعد الهجوم الأميركي الناجح ضد طالبان، فرّ أبو مصعب الزرقاوي من أفغانستان، بحسب ما تشير إليه التقارير، وتوجه إلى العراق للاحتماء بصدام.
لم يكن صدام قلقاً من أجندة هذه الجماعات الإرهابية المختلفة، طالما أنها تشاركة كراهيته للحكومات الغربية. وكان هذا النوع من الدعم من زعماء مثل صدام حسين أساسياً لمساعي الجماعات الإسلامية المتشددة.
بعد 11 سبتمبر، بات واضحاً أن هؤلاء الأعداء ليس أمامهم سوى طريق الإرهاب لإضعاف العزيمة الأميركية وكسب التنازلات ولا يستطيعون فعل ذلك بدون المساعدات السرية من الأنظمة غير الشرعية مثل نظام صدام في العراق وطالبان في أفغانستان.
فالحكام الطغاة والإرهابيون يتغذى كل منهم على الآخر، حيث تعمد الأنظمة الديكتاتورية إلى تحويل الغضب الجماهيري من إخفاقاتها إلى الولايات المتحدة بالسماح للإرهابيين بتحميل الأميركيين مسؤولية كل البؤس والمعاناة في المنطقة.
وبعد 11 سبتمبر كان لابد من تغيير قواعد اللعبة.
ولذلك تخلصنا من صدام وطالبان وضغطنا على السوريين للخروج من لبنان وشجعنا الديمقراطية اللبنانية وضغطنا على المصريين بشأن الانتخابات وطالبنا معمر القذافي بأن يتخلى عن خططه النووية.
والهدف من كل هذه الجهود لم يكن الرغبة في الدخول في حرب لا تنتهي، وإنما السماح لمواطني الشرق الأوسط بالحصول على بديل ثالث بين التشدد الإسلامي والديكتاتورية العلمانية. ولا عجب أنه حيثما توجد انتخابات في الشرق الأوسط ــ أفغانستان والعراق ــ فإن الحكومات الشرعية هناك تمتلك السلطة الأخلاقية والرغبة في محاربة التشدد.
ويستطيع الأميركيون الآن الاستمرار في لعبة تبادل الاتهامات حول المسؤولية عن التكاليف المتزايدة في الأموال والأرواح في العراق، لكن المفارقة هي أنه قبل زمن ليس ببعيد كان الجميع هنا ــ من بيل كلينتون وجورج بوش إلى أعضاء مجلس الشيوخ ومديري الـ »سي آي ايه« ـــ متفقين على أن صدام حسين قدم المساعدة لتنظيم القاعدة الذي قتل 3000 أميركي.
وكان هذا أحد الأسباب التي دفعتنا إلى الحرب في العراق، والتي من أجلها يقف الآن الزرقاوي والبعثيون السابقون جنباً إلى جنب لمهاجمتنا، ومن أجلها تقاتل الحكومة العراقية المنتخبة معنا.
خاص لـ البيان