أيام معدودة تفصلنا عن بدء الانتخابات التشريعية العراقية، التي يعول عليها البعض في المساهمة في إخراج بلاد الرافدين من دوامة العنف التي رافقت الغزو الأميركي، وحصدت أرواح عشرات الآلاف من العراقيين الأبرياء ممن لا ذنب لهم ولا جريرة في الصراع الدامي الذي فرض على بلادهم فرضاً.

الانتخابات ربما تكون مفتاحاً لتوافق وطني يجمع الفرقاء المتناحرين، بمقدار ما يفتح فشلها أبواباص أوسع على استمرار حالة عدم الاستقرار وإراقة الدماء، ودخول المستقبل ثلاجة اليأس والإحباط، ومن ثم بقاء المأزق الراهن على ما هو عليه، وتأجيل الغد المأمول.

المعطيات الأولية، تشير إلى أن ثمة رغبة في المشاركة وخاصة من أولئك الذين قاطعوا الانتخابات السابقة، التي جرت في يناير الماضي، فرغم التحفظ وعدم الرضا في أوساط العرب السنة، إلا أن هؤلاء ابدوا حرصاً على الذهاب إلى صناديق الاقتراع، وتعلم درس المقاطعة الذي جردهم من أوراق اللعبة السياسية وأثر سلباً على تفاعلهم فيما يدور في دهاليز العمل السياسي.

وما يعزز من إزالة الألغام من أمام صناديق الاقتراع، أن الانتخابات تنظم في أعقاب الاجتماع التحضيري لمؤتمر الوفاق الوطني الذي عقد في القاهرة الشهر الماضي.

والذي خفف من حدة الحديث ـــ إن لم يكن الغلو ـــ عن إقصاء واستبعاد بعض القوى السياسية، وفرق في الوقت ذاته بين المقاومة الوطنية المشروعة والإرهاب على اعتبار أن الأخير يمثل حجر عثرة أمام صوغ المستقبل، ويشكل تهديداً مرفوضاً لأرواح الأبرياء من العراقيين.

وربما يكون فتح واشنطن، وإن كان عبر وسطاء، خط اتصال مع من تسميهم »المتمردين« مؤشراً آخر على الرغبة في توفير ظروف أفضل للانتخابات من ناحية، والمساعدة على لملمة شعث العملية السياسية، التي تتجاذبها مسارات عدة، إن لم يكن التشكيك في جدواها أصلاً.

ويبقى السؤال إلى أي مدى يمكن أن تخرج الانتخابات بنتائج قد تسهم في تجاوز الواقع بكل تعقيداته، وبما يضع العربة السياسية على طريقها الصحيح، في ظل ما تموج به الساحة من تناقضات؟!

الإجابة تكمن في مدى رغبة الأطياف العراقية المختلفة، في استثمار الورقة الانتخابية، والولوج إلى جمعية وطنية أكثر توازناً وتمثيلاً لكافة مكونات الشعب العراقي، ومن ثم تشكيل حكومة تعكس صدى الأصوات التي ذهبت إلى صناديق الاقتراع. حكومة تضع أمامها مهمتين محددتين لا تنفصلان عن بعضهما: العمل على توفير الأمن، والسعي الجدي لإنهاء الاحتلال.

ويبقى في الأول والأخير التعويل على وعي الناخب العراقي الذي يذهب إلى صناديق الاقتراع في ظروف غير عادية، في اختيار نوابه واضعاً مصلحة العراق ككل قبل التصويت لهذه القائمة أو تلك، وأن يدرك أن مستقبل الأوطان غاية تتجاوز التجاذبات الحزبية والطائفية وهو ما يجب أن يراهن عليه الجميع.