يتندَّر بعض المراقبين بالتغيير الذي حصل منذ سنوات قليلة في مسمى القمة الفرنسية ـــ الإفريقية التي انعقدت دورتها الثالثة والعشرين في 3 و4 ديسمبر في باماكو في مالي.
كانت القمة، التي هي أساساً فكرة فرنسية بامتياز انطلقت عام 1973، تُسمَّى قمة فرنسا ـــ إفريقيا، وصارت مؤخراً تحمل عنوان قمة إفريقيا ـــ فرنسا، باعتبار أن الطرف الذي يحتل اسمه الصدارة في التسمية هو الطرف الأساسي والمبادر والمركزي في العملية.
وخارج دبلوماسية المسميات رغم ما تحمله هذه من دلالات رمزية، يمكن الملاحظة أن القمة التي كان أهم عنوان في انعقادها مشكلة الشباب الإفريقي وهو عنوان جذاب سياسياً في قارة ثلثا أبنائها من الشباب، كان هاجسها الأول بالنسبة لفرنسا وهي بذلك تعبِّر عن مزاج أوروبي، هاجس الهجرة اللاشرعية بشكل خاص وتنظيم الهجرة الشرعية بشكل عام.
ويقول رئيس مالي إن الأفارقة يريدون الهرب من البؤس كيفما كان، وإنه إذا استمرت الهجرة على هذه الوتيرة فإن إفريقياً من كل عشرة سيعيش خارج بلده الأصلي عام 2025.
الهاجس المشترك في القمة تمحور حول كيفية إيجاد فرص عمل وتحسين ظروف الحياة وخلق آفاق مستقبلية للشباب حتى لا يسقطوا في فخ العقائد المتطرفة كما حذر الرئيس الفرنسي.
لكن مشكلة إفريقيا الأشمل والأعمق هي مشكلة ازدياد عدد الدول الفاشلة وتلك المرشحة للانضمام إلى هذه الفئة من الدول. الدول التي تمزقها مختلف أنواع النزاعات والتي تقف حاجزاً أمام محاولات خلق بيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإنتاج.
فرنسا تعيد منذ فترة تموضعها السياسي بالنسبة لعلاقاتها مع القارة الإفريقية وتحاول أن تخرج من مركب خاصية العلاقات مع مستعمراتها السابقة وهي خاصية تحكمها عناصر تاريخية ومصلحية ورمزية ورومانسية سياسية معقدة ومتداخلة لتدرج سياستها في إطار إفريقي أوسع جغرافياً، إطار القارة الإفريقية ككل، وأشمل من حيث المسائل التي تهم تلك العلاقات.
ولكن الأهم من ذلك كله أن باريس صارت تلجأ إلى اعتماد مقاربة تعاونية متعددة الأطراف لتدرج فيها سياستها الإفريقية من جهة ولتعطي دفع ودعم لعلاقاتها ومصالحها الإفريقية الثنائية من جهة أخرى.
فرنسا تريد أن تعزز الدور الأوروبي ودور الأمم المتحدة، وكذلك دور المنظمات الإقليمية الإفريقية في عمل مشترك معها في القارة الإفريقية لإضفاء مزيد من الإمكانات والشرعية والوزن والمصداقية لسياساتها.
عاملان أساسيان دفعا فرنسا في اتجاه إعادة التموضع هذه: أولاً، تبقى الإمكانات الفرنسية الموظفة لدعم التنمية في إفريقيا والتي بلغت هذا العام 8 مليارات دولار ونيف، ذهب ثلثها تقريباً كإلغاء ديون، تبقى هذه الإمكانات متواضعة مع الاحتياجات الحقيقية للقارة الإفريقية.
وثانياً صار من الصعب جداً على فرنسا مقارنة مع السابق الإمساك بأوراق اللعبة في المسرح الإفريقي وتحديداً الفرانكفوني بعد التحولات الدولية والإقليمية في إفريقيا وبروز أقطاب مثل جنوب إفريقيا ذات دور ووزن كبيرين في الشؤون الإقليمية، ودخول واشنطن وبكين بقوة، على خط عملية بناء النفوذ في إفريقيا سابقين باريس بأشواط في هذا المجال.
القارة السمراء صارت ذات أولوية استراتيجية بالنسبة للقوة الفائقة الأميركية وكذلك للقوة العظمى الصينية في مجال الاستثمارات الخاصة بالنفط لازدياد الاعتماد على النفط الإفريقي.
هذا الوضع الجديد يدفع فرنسا إلى إعطاء أهمية كبرى لتعزيز البعد التعاوني التعددي الأطراف في سياستها وتحاول باريس أن تتميز عن غيرها من الأطراف الخارجية من خلال ثلاث سياسات متكاملة ومتداخلة تأتي تحت عنوان إدارة مسألة الهجرة:
أولاً، الوعد الذي قدمه الرئيس الفرنسي بإعطاء تسهيلات »فيزا« للعمل والبحث »للأدمغة الإفريقية« وتشجيعها ليس على الهجرة النهائية مما يستنزف طاقات بلادها الحية، بل على العمل في ما يمكن أن يكون مشتركاً.
أو تعاونياً بين فرنسا والدول الإفريقية الأم، حتى لا تقطع تلك الثروة البشرية الإفريقية علاقاتها مع أوطانها الأم، وثانياً دعم مبادرة اسبانيا والمغرب لعقد مؤتمر إفريقي ـــ أوروبي بشكل مشترك وتضامني مع مسألة الهجرة.
وثالثاً تحفيز أوروبا على زيادة مساعداتها التنموية لإفريقيا ودعم الموقف الإفريقي في اجتماعات منظمة التجارة العالمية لمناهضة سياسة »اللبرلة الاقتصادية السريعة« والتحرير الكبير لتجارة المنتجات الزراعية، الأمر الذي يحمل تداعيات سلبية كبيرة على الدول الأقل نمواً وخاصة الدول الزراعية الإفريقية.
العلاقات الفرنسية ـــ الإفريقية تقدم امتحاناً لكيفية صياغة علاقات أكثر توازناً وأكثر تضامناً بين الشمال والجنوب، ليس من منظور أخلاقي فحسب، بل من منظور مصلحي استراتيجي بالنسبة للشمال الذي لا يستطيع أن يبقى بمنأى عن التداعيات السلبية لاستفحال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها في الجنوب.
كاتب لبناني