قبل أيام معدودات على تقديم التقرير الثاني الذي أعدته لجنة التحقيق الدولية المكلفة بالكشف عن قتلة الحريري، اشتدت أعواد الجوقة إياها التي ضللت التحقيق سابقاً، وعرفت بمحتوى التقرير الأول قبل أن يصل إلى صاحب العلاقة، أي مجلس الأمن، وازدادت حملة الاتهامات ومحاولات الإساءة لسورية عبر أكاذيب جديدة وتلفيقات وبذاءات وتهديدات صدرت عن اشباه رجال.
هل نفترض حسن النيّات ونعلن أن أصحاب هذه الحملة المركزة والحاقدة على سورية إنما يفعلون ذلك لاستباق الأمور والقفز إلى الأمام للدفاع عن موقفهم الذي اهتز بقوة بعد سقوط الأقنعة، ومن ثم يحاولون تضليل العدالة مرة أخرى وتوجيه التهمة نحو الهدف الذي يسعون إليه؟ أو نفترض سوء النية ونعبّر عن اعتقادنا بأن ما حدث سابقاً عندما تم تسريب «بعض» محتويات تقرير لجنة التحقيق الدولية إلى جهات محلية لبنانية وإقليمية ودولية لتبني على هذا «البعض» مواقف ضاغطة تسهم في الحملة الشرسة التي تتعرض لها سورية؟
لا نريد ترجيح فرضية على أخرى، لكن كل الاحتمالات واردة في زمن الأكاذيب العاصفة التي تبنى عليها حروب وتدمير بلدان وتغيير أنظمة واغتيال شعوب.
وإذا كان الأمر كذلك وعلى هذه الدرجة من الخطورة والأهمية، فلماذا لا تزال هناك تسريبات عن التقرير الثاني الذي ستقدمه لجنة ميليس لمجلس الأمن حتى قبل انتهاء الاستماع إلى شهادات المواطنين السوريين في فيينا؟!
وما الحكمة من القول: إن تقرير ميليس سيكون بمثابة قنبلة مزلزلة، وينشر هذا الكلام في وسائل الإعلام ويتغنى به فريق معروف النيّات والأدوار؟ هل من مصلحة التحقيق ومصلحة لبنان والحقيقة أن تظل مثل هذه التسريبات مثار حوارات ونقاشات وتحليلات عبر الفضائيات، وكأننا لم نتعلم بعد من أخطاء الماضي القريب؟
من اللافت أن جهات عدة بدأت تبني قصوراً على رمال التقرير الثاني، وكأنها على علم مسبق بما يتضمنه، وراحت تروج إلى أن الشهادات المزورة التي اعتمدت في التقرير الأول وسقطت مع سقوط الأقنعة، ستظل على حالها في التقرير الثاني ولن يؤخذ بالشهادات الجديدة، وكأن الشاهد المقنع كان صادقاً كل الصدق في بيروت وأفّاكاً كاذباً في دمشق.
وما بين التباكي بدموع التماسيح على دم الحريري، والهجمة المركزة والضغوط المتواصلة على سورية، ومحاولات بناء قصور الأحلام على رمال الوهم لتوريط سورية، تبقى الحقيقة الحاضرة ـ الغائبة معرضة للضياع على إيقاع أحقاد إقليمية وعداء بعض الدول لدمشق ومواقفها وسياساتها.
ومع ذلك فإننا واثقون بأن الحقيقة ستظهر مهما طال الزمن واشتدت المحن والخطوب.