مرة أخرى يطل علينا الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بتصريحاته النارية‏، وتثير معها زوبعة سياسية أثارت جدلا وانتقادا عالميا جماعيا‏، فتصريحاته بوصف إسرائيل بالسرطان في المنطقة والمطالبة بنقلها إلى أوروبا تفتقد بشكل واضح للذكاء السياسي الذي يجب أن يتمتع به رئيس دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة لها ثقلها ووزنها على الخريطة الدولية‏.‏

فأولا فإن زمن التصريحات النارية والانفعالية التي تستهدف تأجيج المشاعر‏،‏ ومخاطبة الداخل وكسب تأييد التيار المتشدد‏ قد انتهي وولى نهائيا‏، وأصبحت السياسة الخارجية لأي دولة تحكمها اعتبارات المصلحة والعقلانية السياسية والالتزام بقواعد ومبادئ القانون والشرعية الدولية‏، وفي وقت تتعرض فيه طهران لضغوط خارجية متزايدة ترتبط بملفها النووي‏ فإن هذه التصريحات تزيد من عزلتها‏ وتعطي المبرر للأطراف الخارجية لتوظيفها وإحكام الحصارعليها‏.‏

وثانيا‏، فإن إسرائيل دولة عضو في الأمم المتحدة وأمر واقع لا يمكن تغييره بمثل تلك التصريحات وغيرها‏، كما أن قضية الهولوكست قد حسمت وصوتت المنظمة الدولية على قرار يحظر نفى حصول المحرقة وقررت إعلان ‏27‏ يناير يوما خاصا لتكريم ضحايا النازية‏، وبالتالي إذا كنا نعترف بتلك المحرقة ومعاناة اليهود فإنا نؤكد أيضا على رفض معاناة الفلسطينيين‏ ونرفض أية انتهاكات ضد أي شعب من الشعوب لأسباب عرقية أو دينية أو لغوية دون تفرقة أو تمييز‏.‏

وثالثا فإننا ضد توظيف الورقة الفلسطينية من جانب الدول والجماعات لتحقيق أغراض ومصالح خاصة‏ فالقاعدة بررت هجماتها الإرهابية على واشنطن ونيويورك بمعاناة الفلسطينيين‏، كما أن كثيرا من أعمال العنف ترتكب باسم تأييد الشعب الفلسطيني‏، وثبت أنها تضر بالأساس بالقضية الفلسطينية وبحقوقه المشروعة‏ بل وتدفع وسائل الإعلام العالمية إلى الربط بين حقهم في المقاومة وبين الإرهاب‏.‏

وأخيرا‏، إذا كنا نعترف بإسرائيل وبحقها في الوجود‏ فإننا في الوقت نفسه نطالبها بإعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفقا لقرارات الشرعية الدولية‏ وهذا لن يتحقق إلا بالتفاوض والحوار وليس بالتصريحات النارية التي انتهت من قاموس السياسة الخارجية‏ والتي يحاول نجاد إحياءها‏.‏