أثناء الزيارة التي قام بها وزير خارجية إسرائيل سيلفان شالوم إلى تونس بمناسبة انعقاد القمة العالمية لمجتمع المعلومات مؤخراً، لفت اهتمامي تصريح أدلى به في جزيرة جربة قال فيه: »انه يحيي اليوم ذكرى الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الذي نصح العرب بالاعتراف بإسرائيل منذ أربعين عاما«.
و أنا بصفتي تونسيا كتب الله له أن يعيش تلك الأحداث التي أشار إليها شالوم،أردت أن أفند هذه الكذبة، وشالوم بالطبع يقصد الخطاب التاريخي الذي ألقاه بورقيبة في مدينة أريحا يوم الثالث من مارس 1965 في إطار الجولة التي قام بها الرئيس التونسي إلى الشرق الأوسط في ذلك العهد، وهو الخطاب الذي قابله الرأي العام العربي في المشرق بالغضب والسخط والتخوين والتنديد والدعوة إلى مقاطعة تونس. وأنا حظيت بمعايشة ثلاث حقائق تتعلق بهذا الخطاب والظروف المحيطة به وهي:
1) سمعت من فم بورقيبة نفسه ملابسات ذلك الخطاب وبإطناب حين استقبلني الزعيم بقصر قرطاج في نوفمبر 1984 بعد أن سمع بأنني ألقيت محاضرة في واشنطن بفندق ماريوت على منبر معهد شيلر للعلاقات الدولية حول كفاح بورقيبة ومواقفه من القضية الفلسطينية، وكنت حينذاك أتحمل بعض المسؤوليات السياسية والبرلمانية في وطني،
وكان الزعيم شديد الحساسية للعلاقات مع الولايات المتحدة ولصورته الشخصية لدى الحكومة والكونغرس في أميركا. وكان بورقيبة حين استقبلني في مرحلة نقاهة لأنه خرج من أزمة حادة بالرئتين عالجها في مستشفى الرابطة، وكان استقبالي أنا ورئيس الحكومة ووزير الإعلام في غرفة نومه وهو يرتدي البيجامة والروب، ولكنه كان في غاية الوعي وقوة الذاكرة.
وأكد الزعيم لنا بأن المرحوم جمال عبد الناصر حين التقى به في القاهرة وبعد الاستماع إلى كل الأفكار التي ينوي بورقيبة طرحها للتأمل على الفلسطينيين قال له عبد الناصر: »إنها مقترحات جريئة وحكيمة وتصدر عن زعيم صادق وله تجارب في خوض معركة التحرير، لكني أنا بحكم موقع مصر وتماسها مع إسرائيل لا يمكن أن أصارح بها الشعب العربي ، إنما أنت بعيد عن الصراع ويمكن أن تجاهر بها فلا تتردد«. وقال لي بورقيبة :»شكرت عبد الناصر على ثقته وتشجيعه ولكني طلبت منه شيئا واحدا وهو أن لا تهاجمني الصحافة المصرية وأن لا يخذلني هو«.
فابتسم الزعيم عبد الناصر وقال :»موافق يا سيدي«. ويواصل بورقيبة سرد القصة فيقول: وخرجت من عند عبد الناصر أحمل تأييده الضمني، ولكن وقع لي عكس ذلك تماما وشعرت بأن عبد الناصر خانني( قالها لنا بورقيبة بالفرنسية وهو يضرب كفا بكف بمرارة).
2)عندي النص الكامل لخطاب أريحا لمن يريد إنصاف الحقيقة ولم يطلب بورقيبة أبدا الاعتراف بإسرائيل بل وضع خطة تحرير فلسطين من الاستعمار الإسرائيلي مؤكدا بأن القضية هي قضية استعمارية محضة، ودعا بورقيبة فقط إلى كسب الشرعية الدولية بالاعتراف بقرار 29 نوفمبر 1947 القاضي بإنشاء دولتين عربية ويهودية من أجل وضع إسرائيل في موقف الرافض لتلك الشرعية حتى يراها العالم على حقيقتها أي دولة غاصبة ومعتدية واستعمارية،
ثم دعا إلى خوض حرب العصابات لدفع إسرائيل إلى أخف الضررين وإنهاء المأساة الفلسطينية كما انتهت المأساة الجزائرية. بل قال بالحرف: »إن الاستشهاد هو الذي يضمن النتيجة المرجوة والفوز العظيم« وأضاف في خطاب أريحا نفسه حرفيا: » إنكم انتم أصحاب الحق فعليكم أن تكونوا الطليعة في مقاومة الغاصب« وختم خطابه بالآية الكريمة: »ولله العزة ولرسوله والمؤمنين«. فهل هذا منطق عميل للصهيونية أم هو منطق مجاهد عربي محنك كان سابقا لعصره في هذا المجال؟
3)خلال أربعين عاما من حياتي وفي المنافي الكثيرة التي عشت فيها التقيت بمئات الزملاء والإخوة العرب والذين قالوا لي بأنهم يندمون على المظاهرات التي خرجوا فيها ضد بورقيبة في ربيع 1965 وأنهم أدركوا مع النضج ومع تراكم أخطاء العرب الذين ضيعوا القضية بأن رؤية الزعيم بورقيبة كانت هي الأصوب، ومن أبرز هؤلاء صديقي المفكر العروبي الراحل لطفي الخولي والكثير من القوميين .
رحم الله بورقيبة بحسناته وغفر له سيئاته، لكنها كلمة حق في رجل له هذه الحسنة في بعد النظر وسلامة البصيرة، حتى لا يستعمل اسمه وتاريخه من قبل المغتصبين والخارجين عن القانون الدولي ومجرمي الحرب من إسرائيل .
كاتب تونسي