التحالف السياسي الأخير تحت راية حزب ( كاديما / إلى الأمام ) بين ثعلب السياسة الإسرائيلية العجوز الثمانيني شمعون بيريس وديناصور اليمين العقائدي الجنرال أرييل شارون، كان المفاجأة السياسية التي قلبت المعادلات رأساً على عقب في الخارطة الحزبية الإسرائيلية، بعد سنوات من الاستقطاب والتحشيد المتقابل حول كل منهما في مواجهة الآخر، في مجتمع يعج بعوامل التغيير، ويتمتع بحساسية عالية ازاء التحولات اليومية في الساحة الشرق أوسطية.

التحالف المشار إليه، كان من الصعب ابتلاعه أو تفهمه قبل فترة من الزمن، بين الرجلين المنضويين تاريخياً في زاويتين متقابلتين من مثلث القوى السياسية الكبرى في الخارطة الحزبية الإسرائيلية (الليكود والأحزاب اليمينية العقائدية، حزب العمل وكتلة ميريتس واليسار الصهيوني، أحزاب اليمين التوراتي)،

وتالياً لم يكن ليأتي تحالف الثعلب والديناصور دون مقدمات، بل جاء في سياق الحركات الداخلية التي شهدها الليكود في ظل نمو التيارات المنافسة لشارون، والتراجع المضطرد في الأوضاع الداخلية لحزب العمل وفقدانه المتدرج لقطاعات مؤثره من جمهوره وقياداته الأولى التي تحول جزء منها وانتقل نحو مواقع كتلة »ميريتس اليسارية الصهيونية« كيوسي بيلين وحاييم رامون،

فتحول الحزب إلى متسول يلهث وراء اليمين بعد أن كان الحزب التاريخي في قيادة وتأسيس الدولة العبرية الصهيونية، وفي وقت استفحل فيه تعاظم وتأثير أحزاب وقوى اليمين حضوراً وبرنامجاً، فتوسعت على حساب حزب العمل. ويمكن أن نلحظ مدى التحطم والتهتك التنظيمي والسياسي الداخلي في حزب العمل من خلال التواتر اللاطبيعي في تعاقب مغادرة قيادات مهمة منه إلى مواقع خارج إطاراته، والزحف الراهن لعدد من أعضاء الكنيست من العمل نحو حزب كاديما.

ان البراغماتية السياسية العالية التي يتمتع بها شمعون بيريس، تحولت إلى انتهازية فاقعة بعد هزيمته أمام منافسه في حزب العمل عميرا بيرتس، ودفعت به انتهازيته نحو الانتقال من حزبه الأم »حزب العمل« إلى حزب جديد بقيادة شارون، ولم تمنعه الانتهازية المشار إليها من التغزل بشارون واصفاً إياه بالقول: »ارييل هو الرجل الأكثر ملاءمة ليقف على رأس ائتلاف مع جدول أعمال سياسي جديد«.

بالمقابل فان شارون يحتاج إلى شمعون بيريس كشخصية تاريخية في الدولة العبرية تتمتع بشبكة من العلاقات الدولية المؤثرة، وكمُنظِّر ديماغوجي وبوق لسياسته، وبيريس يُجيد البهلوانية السياسية وتغيير الشعارات من أجل البقاء في الحكم حتى ولو كان برتبة وزير بلا حقيبة.

ومما لاشك فيه، فان انسحاب شمعون بيريس من حزب العمل سيضعف الحزب بالضرورة، إلى درجة قريبة من حافة الخطر، وستؤدي إلى تدني حظوظ الحزب في إيصال ما يتوخاه من أعضاء إلى الكنيست في الانتخابات المقبلة، إلى حدود 19 مقعداً فقط كما تشي العديد من المؤشرات التي نشرتها الصحف العبرية مؤخراً، فبيريس ترك حزب العمل ويهدف الآن لاجتذاب أصوات من حزب العمل إلى حزب شارون الجديد للانتقام من أولئك الذين انفضوا عنه داخل حزب العمل لصالح الرئيس الجديد للحزب اليهودي الشرقي المغاربي (من السفارديم) عميرا بيرتس.

ان حزب التحالف الجديد بين بيريس وشارون (كاديما / إلى الأمام) إطار تنظيمي فضفاض وبلا برنامج فكري مشترك، شكلته الظروف الشخصية وصراعات الكتل والتيارات والمصالح داخل حزبي الليكود والعمل قبل أن تشكله تطورات سياسية مهمة وذات مغزى، وان تلحف كل من بيريس وشارون باللحاف السياسي تحت عناوين »دفع مسيرة السلام «، وغطاء البحث عن الحلول الناجعة للقضايا الاجتماعية والاقتصادية الإسرائيلية الداخلية.

* كاتب فلسطيني ـ دمشق