المؤتمرات السياسية للحوارالوطني التي شاهدتها عدة بلدان عربية مؤخرا، سواء منها من امتلك شروط النجاح فأمكنه التوصل إلى النتائج الإيجابية, أومن افتقد شروطا لقواعد الحوار فتجمد المسار، هذه المؤتمرات تنطلق جميعها من قناعة بضرورة الحوار باعتبار أن الخلافات السياسية لاتحل بالوسائل الأمنية، وأن إغلاق قنوات الحوار السلمي يفتح الباب للحوار غير السلمي.

وانتشار البرامج الحوارية المتعددة الأطراف على شكل ندوات للحوار في القنوات الفضائية حول القضايا المطروحة على الساحة، سواء ما يتوفر لها غالبا من شروط المهنية الإعلامية وتنال الاحترام والمصداقية أو ما يتسم منها أحيانا بفقدان بعض أو كل، ليس فقط الشروط المهنية الإعلامية للبرامج الحوارية، بل أيضا الافتقار إلى الحد الأدنى من احترام عقل المشاهدين حينما تغيب القواعد الموضوعية للحوار عن الحوار!

هذه الموجة الداعية للحوار والتي تتواكب مع المد الديمقراطي، إنما تعكس التعددية السياسية والثقافية لقوى مختلفة من حقها التعبير عن نفسها في عصر يرفع شعارات الشفافية واحترام الرأى الآخر والحرية والسماوات المفتوحة، ويسعى الجاد منها إلى تأكيد التقاليد الديمقراطية التي هي في تصور سهل تعني حق الاختلاف السياسي،

واحترام حق التعبير عنه في إطار الائتلاف الوطني وفق آلية تنظم هذا الاختلاف، بما يؤمن عملية تداول السلطة عن طريق الاحتكام إلى رأى غالبية الشعب واحترام ماتعلنه نتائج صناديق الاقتراع، انطلاقا من أن الشرعية الحقيقية هي مايقرره الشعب باختيار من يمثله أومن يحكمه دون وصاية .

وهذا يدعونا جميعا أولا إلى احترام حقوق الحرية في الاختلاف والاعتقاد والتعبير والاختيار، وحق المشاركة في القرار .. لأن الاختلاف هو طبيعة الكون وطابع الحياة، ومن هنا تتعدد المعالم الطبيعية والإنسانية وتختلف الفصول وتتعدد الأشكال والألوان واللغات، وتختلف الأجناس والأديان والثقافات، بما يدفع حركة الحياة بالتكامل والتفاعل إلى التقدم والدوام.

الائتلاف في المقابل هو الإطار الذي ينظم الوجود، وتنتظم في داخله كل العناصر المختلفة بصورة متكاملة ومتفاعلة بما يصنع من الألوان المتعددة لوحة تشكيلية جميلة، وبما يصنع من الأصوات المتعددة سيمفونية منسجمة، ولأن ذلك كله صحيح يصبح الاختلاف هو المقدمة والائتلاف هو النتيجة، حيث لا ائتلاف بغير اختلاف.

نحن نختلف كبشر بتعدد عقائدنا وقومياتنا وحضاراتنا، ولأن الجميع بحاجة إلى التفاهم لأنهم مجبرون على العيش المشترك سواء داخل الوطن الواحد أو الإقليم الواحد أو العالم الواحد، لا فرق . الجميع لهم مصلحة في التعاون المشترك لتحقيق الأهداف المشتركة في السلام والرخاء والحرية،

ويبدو الحوار هو وسيلة الإنسان الوحيدة المقبولة للتفاهم مع أخيه الإنسان وصولا إلى الأرض المشتركة للوقوف عليها معا وتنميتها للصالح المشترك معا، فتنادى العالم إلى حوار الحضارات وصولا إلى فهم أوضح، وبالتالي إلى تفاهم أوسع بين الثقافات المختلفة من شأنه تعزيز فرص السلام العالمي بقدر أكبر، مما يهيئ الظروف الملائمة للتعاون بين المختلفين والتكامل بين المجتمعات الإنسانية لتحقيق اسباب التقدم والرخاء لكل الشعوب .

العناصر المختلفة كلها هي بالطبيعة في حالات من الحوار الذي لايتوقف مهما تعددت لغات الحوار بينها، سواء كان حوارا بالكلمات في السياسة أو حوارا باللكمات في الشجار أو حوارا بالنيران في الحروب، وإذا توقف الحوار بلغة الكلمات في السياسة تحول إلى لغة اللكمات في الشجار، وتواصل الحوار بلغة أخرى هي لغة الطلقات في الحروب.

لا شك أن السلام هدف للشعوب بعيدا عن تجار الحروب، ولهذا فإن الحوار بين الثقافات المختلفة يبدو هو الحل لمشكلات الجهل بالنفس والجهل بالآخر بعيدا عن دعاة الصدام بين الحضارات، ومن هنا تتزايد يوما بعد يوم الدعوات إلى الحوارمن جانب والادعاءات بممارسة الحوار من جانب آخر.

وفي الوقت الذي نشهد فيه دعوات مخلصة وساحات راقية وقواعد محترمة للحوار حول قضايا سياسية أو فكرية يسود فيها الوفاق، ويحترم فيها الاختلاف ويتواصل فيها الحوار لتوسيع مساحة الاتفاق وتضييق هوة الاختلاف، نلاحظ في بعض الأحيان مؤتمرات سياسية أو برامج إعلامية ترفع لافتات الحوار بينما يغيب فيها الحوارعن الحوار،

ويتحول في النهاية إلى نوع من الإملاء من طرف على طرف أو نوع من »المونولوج« من طرف واحد في غياب الطرف الآخر،وهذه الحالات المفروضة أو المرفوضة، لا فرق، لا يمكن أن ترقى إلى مستوى الحوار.

وسواء في مؤتمرات السياسة أو في برامج الإعلام فإن للحوار قواعد وأصولاً، وتغييب هذه القواعد أو غياب تلك الأصول يؤدي إلى الفشل في التوصل إلى أي حل لأي مشكلة، وأيضا في عدم إقناع الرأي العام بأي نوع من المصداقية أو المسؤولية.

وإذا كان من المهم أن نعرف كيف نختلف لنعرف بالتالي كيف نتوافق أو نتفق، فمن الأهم أن نعرف كيف »نتحاور« عند الاختلاف، وكيف »نتشاور« عند الاتفاق، خصوصا عندما يتمسح الأطراف جميعا بالأشكال الديمقراطية.

فمن البديهي أولا أن الحوارالحر لا يكون إلا في مناخ حر وبين أطراف مختلفة، بعكس التشاور الذي يكون بين اطراف مؤتلفة، وبالتالي فحينما يعقد مؤتمر لحوارمن أجل المصالحة الوطنية مثلا، ويشترط فيه بعض الأطراف عدم حضور طرف من الأطراف المتخاصمة معها، بحجة مثيرة للدهشة هي انها ترفض التحاورمعها لأنها ترفض الاعتراف بها، فمع من سيجري التحاور في مثل هذه الحالة ؟.. وكيف يمكن أن تنجح عملية المصالحة ؟ إلا أن يكون المقصود هو التشاور بين المتصالحين لإقصاء الآخرين!!

ومن هنا فإن أولى قواعد الحوار هوحضور كل أطرافه بغير إقصاء أو تهميش .. ومن الطبيعي ثانيا أن يتاح فيه لكل طرف وبقدر متساو حرية عرض رؤيته وحق الدفاع عنها دون إرهاب فكري أو كبت عملي.

وثالثا، أن يكون الحوار موضوعيا يعتمد على حسن العرض مع بيانات تسانده لدعم وجهة النظر بما يؤكدها، دون إغفال لحق الطرف الآخر بالرد والتفنيد بحجج منطقية، ومعلومات قابلة للإثبات، ومن غير اتهامات دون مستندات أو تجريح شخصي يخرج عن الموضوعية.

وكما يقول المثل الإنجليزي »الضجيج ليس وجهة نظر«، ولهذا فإن الحجة الضعيفة لايمكن للصوت العالي أن يقويها والحديث غير المنطقي لايمكن للضجيج أن يجعله مقبولا.

ولأن برامج الحوار السياسية أو الإعلامية هي شيء أرقى من برامج الترويج الانتخابية أو التسويق الدعائية الفجة، فمن المتوقع أن تكون أهدافها شيئاً أرفع بكثير من مجرد الترويج أو التسويق مع أو ضد، وأن ترشد إلى أهداف تسعى لتنمية التفاهم المتبادل بين المتحاورين، والتوصل لنقاط اتفاق تتجاوز بكثير نقاط الخلاف بين المختلفين.

بعد ذلك يبقي على كل طرف من أطراف الحوار أن يطبق على الآخر ما يريده ان يطبقه عليه فيحسن الإصغاء ويحسن الرد ويضبط النفس واللسان، ويحسن البيان ويفترض أن رأيه صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيره خطأ يحتمل الصواب، ويتحلى بالقدرة على التراجع والاعتراف بالخطأ، مدافعا عن حق خصمه في الرأي في التعبير عن رأيه،

فبغض النظر عن رأي »فولتير« في هذا الصدد فإن سيادة مثل هذه القاعدة تجعل من كل الأطراف مدافعة بالمقابل عن حقه في التعبير عن رأيه وبهذا لا يتحول الحوار إلى شجار ..ولايغيب الحوار عن الحوار.

mamdoh77t@hotmail.com

كاتب وباحث سياسي