إن التفاهم بين الشعوب والأمم، لا يمكن أن يتم إلا إذا كانت هنالك قنوات يتم من خلالها التواصل، ومن المهم أن تكون هنالك لغة للتفاهم، وتلك اللغة هي الأداة التي يمكن من خلالها قراءة الآخر، ولا يمكن الاعتماد على عملية الترجمة، فهي تنقل حرفياً ما يقوله الطرف الآخر، إلا إذا كان ذلك الذي يقوم بالترجمة ذا ثقافة عالية، حيث يستطيع أن ينقل للمتلقي ما يريد أن يطرحه الطرف الآخر، وبشكل واضح، ومن دون أي التباس، أو سوء فهم.
ومن هنا فقد عقدت العديد من المؤسسات، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ندوات ونظمت مؤتمرات تحاول قدر المستطاع فيها، أن تقرب وجهات النظر، بين الأطراف المختلفة. ولعل المتابع للشؤون العالمية، قد لاحظ أن هنالك حوارات بين الأديان، وأخرى حول الاتجاهات السياسية، وقد تخصص البعض في مجالات دقيقة مثل محاولات تقريب وإزالة الفجوة بين العالم المتقدم والدول النامية في مجالات التقدم التكنولوجي.
ولعل القارئ يتذكر، محاولات تسويق كمبيوتر لا تزيد قيمته على المئة دولار أميركي، حتى يستطيع أبناء الطبقات الفقيرة، فيما يسمى بالعالم الثالث من التفاعل مع هذا الجهاز العجيب، الذي يوفر كماً هائلاً من المعرفة والمعلومات من خلال شبكات الاتصال الدولية.
ومن المؤتمرات المهمة، التي عقدت في مدينة دبي، خلال الفترة من 4 ـ 6/12/2005، مؤتمر »الإعلام العربي والعالمي: تغطية الحقيقة« والذي شارك فيه أكثر من ألف شخص، من المختصين، ومن مختلف الاجتهادات، وهم يمثلون تيارات سياسية متنوعة، واتجاهات قد تكون متباينة، ومن قوميات وأعراق كثيرة،
وتجارب وثقافات مختلفة، إلا أن هدفاً واحداً كان يجمعهم وهو محاولة فهم الآخر، كان المؤتمر متنوعاً، يجمع أكثر من مدرسة فكرية، تلتقي وتتحاور وتتبادل التجارب والخبرات، في جو حضاري، يسوده تقبل الآخر، أياً كان ومن أينما كان.
كم كان جميلاً، أن ترى الإنسان العربي، سواء من المشرق أو المغرب، يتحاور مع ذلك القادم من الصين أو واشنطن، في قضايا أصبحت محط اهتمام البشرية، وخاصة في مجال الإعلام. إن الإعلام هو الذي يساهم في تشكيل الرأي العام، وهو الأداة التي يمكن أن تؤدي إلى التفاهم بين الأمم، أو ربما تؤدي إلى قيام الحروب والمجازر بين شعوب العالم.
ومن هنا، كانت جلسات المؤتمر، تناقش هموم الإعلامي في العالم، سواء فيما يتعلق بالقضايا المحلية، (وهي تختلف من مكان إلى آخر)، أو القضايا الدولية، وهي التي ربما تشكل محور الاختلاف بين الأمم.
ولعل من الهموم المشتركة للجميع، ما يتمثل في كيفية توصيل المعلومة للقارئ أو للمستمع في ظل الأوضاع والقوانين المكتوبة، أو تلك التي أصبحت مربوطة بالواقع وبشكل تعسفي وخاصة في حالات الإرهاب، والتي يصبح فيها ناقل الخبر هدفاً لكل الأطراف. حيث إن الصحافي الحر، وذا المبادئ، يكون عرضة لكل أشكال الضغط. إن هذه الوضعية، هي التي تخلق، بشكل غير مباشر، الصراع بين الحرية والقمع، آخذين بعين الاعتبار، أن العالم في ظل الألفية الجديدة، لم يعد كما كان في السابق.
مما لا شك فيه، أن الصراع الحالي، في شكله الجديد، يفرض نفسه على عالم الإعلام، وأصبحت المنافسة مكلفة من الناحية الاقتصادية، وكذلك من الناحية المهنية، لذا فإن الدول المتقدمة تأخذ بعين الاعتبار الكفاءات ذات المؤهل العالي في مجال الإعلام، وأصبحت الإدارة فناً لا يمكن التهاون فيه.
وبات من المعروف، أن البقاء لمن يمتلك القوة والخبرة في مجال العمل. لست أدري لماذا دار في خلدي جمعية الصحافيين في الإمارات، ودورها في هذا الملتقى العالمي. حيث كان لنادي دبي للصحافة، بالإضافة إلى مؤسسة الفكر العربي بقيادة الأمير خالد الفيصل، وبرعاية خاصة، من الفريق أول، سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم - ولي عهد دبي، الدور الأكبر في نجاح هذا المؤتمر.
كان المؤتمر فرصة تاريخية للتحاور مع صانعي الإعلام، سواء في العالم العربي، أو الغربي، إلا أن المؤكد أن حرية الحديث خلال جلسات المؤتمر قد بينت أن لا صحافة مع القيود، وأن القيود التي كانت تفرض على القارئ، قد كسرت وللأبد.
إلا ان المهم أن يفهم الغرب والشرق معاً، أن الحرية هي الشيء الضروري لكل تقدم صحافي وإعلامي، وأنها البوابة التي يمكن من خلالها أن تتقدم البشرية. وأن الجميع يقف في صف واحد ضد القمع والاضطهاد والإرهاب، وأن من حق الشعوب المضطهدة أن تقاوم القوة أو سياسة الدولة التي تضطهدها أو تستعمرها أو تنتزع حقوقها وتمنع عنها حريتها، وأن الظلم والقهر والفقر والبطالة، هي التي تساهم في خلق ذلك الإرهابي، سواء كان يهودياً أو مسيحياً أو مسلماً.
وفي هذا الجانب، فقد برز إلى السطح أهمية الأوضاع في العراق، وخاصة ان معظم وسائل الإعلام كان جل اهتمامها محصوراً بالعراق على مدى السنوات الثلاث الماضية. وتزداد أهمية الوضع حاليا، لأنه للأسف الشديد ساحة لتصفية حسابات الكثير من القوى، الداخلية والخارجية، العربية والعالمية.
من هنا فإن ما طرحه غازي الياور ـ نائب رئيس جمهورية العراق ـ، حول ضرورة أن يكون عراق المستقبل بلداً لجميع طوائفه وأديانه وقومياته وقواه السياسية، هو ما يكفل ان يكون حصناً منيعاً ضد الإرهاب. لم يعد بالإمكان لعب الكثير من المناورات، فقد أصبح العالم قرية صغيرة، ولم يعد بالإمكان التلاعب بالألفاظ.
وفي نهاية هذا المقال، أود أن أشكر تلك النخبة، من الشابات الإماراتيات والشباب، على حسن التنظيم، والعمل بكل جهد من أجل انجاح هذا المؤتمر العالمي على أرض الإمارات وخاصة دبي. تحية من القلب لكل من ساهم في إعطاء الصورة الحقيقية للإنسان المنتج في الإمارات، وخاصة العنصر النسائي، الذي يؤكد مرة بعد أخرى، أنه مؤهل وقادر، على انجاز الكثير، عندما تتاح له الفرصة، ويعطى الدور الذي يستحقه.
almutawa_mohammed@hotmail.com
* وحدة الدراسات والبحوث ـ »البيان«