أثار حديث الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة عن المواطنة الحقيقية شجون الكثير منا، وزاد من اطمئناننا بأن أولي الأمر على اطلاع بكل ما يؤثر على حقوق الوطن، ودفعنا للتساؤل عن مفهوم الوطن وعلاقتنا به وسر ارتباطنا به.

فجاءت الأسئلة كثيرة متتابعة تبحث عن إجابات في زمن أصبح الوطن فيه لا يعني للكثيرين سوى جواز سفر يحمله أو بطاقة هوية وخلاصة قيد تتيح لهم الحصول على امتيازات المواطنة.

الوطن ليس مجرد جنسية فقط، الوطن هو حقوق وواجبات، فإذا كان للمواطن حقوق العمل والتملك والضمان الاجتماعي والعيش بشرف وكرامة في وطن يجعله في سلم الأولويات، فإن على هذا المواطن واجبات المواطَنة من الولاء الحقيقي لوطنه وقيادته والدفاع عنه وحمايته والمشاركة في ازدهاره حتى لا تصبح علاقته بالوطن محصورة في وثيقة الجنسية والامتيازات المادية التي يحصل عليها.

إن ما نستغربه ان يكون هناك من أبناء الإمارات من يحظى بامتيازات المواطنة كاملة ويقدّم ولاءه وانتماءه خارج حدود الإمارات. وما نستغربه أكثر ان يقدم هؤلاء المواطنون ولاءاتهم لقيادات ذات توجهات مختلفة تحظى بالولاء والانتماء لها على حساب مصلحة هذا الوطن الذي يسعى لتمكين أبنائه على أرضهم،

ويسعى لان يكونوا على رأس أولوياته. الأمر الذي يؤكد تلك الحقيقة المرة التي نشعر بها، وهي حقيقة ان هناك مواطنين لا تعني المواطنة بالنسبة لهم سوى تلك المكاسب المادية والامتيازات الزائلة التي يمنحها إياهم الوطن، وتلك الأرصدة التي يودعها في حساباتهم عند نهاية كل شهر!

هنا تصبح مفاهيم المواطنة مغايرة لتلك المفاهيم التي نشأنا عليها، مفاهيم مادية ترخص أمامها كل القيم الوطنية السامية التي تجعلنا نستشعر عطاء هذا الوطن وما قدمه لنا وما يستحقه من الإخلاص والانتماء والولاء من أبنائه. عندها يصبح بيع الوطن والتضحية به أمراً سهلاً، وعندها لن يتردد الكثيرون في المتاجرة به والتفريط بأمنه واستقراره من خلال الانتماء وتقديم الولاءات لغيره، الأمر الذي سيجعل الحفاظ على كيان الوطن من أصعب ما يكون حينما تكون الخيانة من بعض أبنائه!

نعم لم يعد اليوم هناك مجال لتعدد الانتماءات، ولم يعد مقبولا ان يحظى أناس بامتيازات المواطنة وولاؤهم وانتماؤهم خارج حدود الإمارات ولو كان ذلك بصورة جزئية. فالوطن بحاجة لأبناء يقدرونه ويحفظون حقه ويضعونه فوق اي مصالح تستهدف النيل منه. الوطن بحاجة لمواطنين يعني لهم الوطن الولاء والانتماء وليس »جنسية« فقط يحملونها وتتيح لهم تملك قطعة ارض أو سجل تجاري أو شركة استثمارية!

ان الشعور بتراجع مفهوم المواطنة لدى البعض مزعج حقا، فقد تعوّدنا عبر التاريخ ان نسمع عن مؤامرات ضد الأوطان تقع خارج حدودها ومن غير أبنائها، لكن هذه المرة نشعر بأن بعض مواطني الدولة يقومون بذلك من خلال تقديم الولاءات والانتماءات لغير وطنهم، وهو خطر سياسي يمكن أن يهددنا من الداخل بجهات خارجية تّقدّم لها الولاءات والانتماءات على طبق من الألماس.

نحن للأسف، لن نستطيع أن نفعل شيئاً لمثل هذه الممارسات اللاوطنية التي تتراجع بخطط التمكين الوطني التي تسعى الدولة لتحقيقها، وليس من مهامنا وضع الحلول، قدر ما أننا ككتاب من مهامنا دق أجراس الخطر وعدم »التهوين« من تراجع مفهوم المواطنة، الخطر المستقبلي الذي يجب ان نعد العدة لمواجهته.

maysaghadeer@yahoo.com