انتفاضة الأقصى الثانية التي وجدت منذ الثامن والعشرين من سبتمبر العام 2000، ولا يزال البعض يعول على شعاع نيرانها الباهت، لم تستطع تحقيق أدنى النتائج الإيجابية أو حتى المحافظة على ما كان عليه الشعب الفلسطيني قبل اندلاعها،
فهي لا تعدو كونها هبّة جماهيرية مرتكزة على طوفان مشاعر و عواطف شبابية، وطبيعي أن يكتب لها الفشل مادامت لا ترتكز على أهداف واضحة ومعروفة عند من أمسكوا زمام هذه الهبة شبه العشوائية والمحاطة بشتى أنواع الغموض فرست في نهاية المطاف محل إقلاعها أو أدنى، أما النتائج فلا تقاس إطلاقاً بسيل التضحيات المتواصل وحتى اللحظة.
نتيجة أي عمل غامض لا يبنى على أهداف واضحة ولا يتمتع أصحابه بمعرفة الهدف أو المكان أو حتى الرمز الذي يقاتلون من أجله ستكون الأسوأ، ومن مساحة الحرية التي أؤمن بها لا بد وأن أتسلل معاتباً قادتنا الكبار رغم ما أكن لهم من احترام وتقدير، وأقول: كيف لشعب تربى في أحضان أحزابه ورضع من عذابات النساء، ويعيش واقع الاحتلال منذ أن تفتحت عيناه على الحياة يجهل في المقابل رمزه وأساس قضيته المسجد الأقصى الذي ينطق به أي طفل فلسطيني.
نعم أعني المسجد الأقصى المبارك درة القدس محور قضية فلسطين، ذلك المكان الذي يحلم الملايين بالوصول إليه من واقع علاقة الحب البعيدة التي تربطهم به، وهنا أسرد حقيقة - ولا أقول جريمة- تعتصرني ألماً وتنذر بمخاطر كبيرة على المدى البعيد، فلا يعقل أن تمر أجيال على مسيرة النضال ولا يرون سوى صور لقبة الصخرة المشرفة التي أصبحت علامة بارزة عند المسلمين، والحقيقة تقول إن المسجد الأقصى معلم آخر يخطف أنفاسه تحت وطأة الحرب المتواصلة من تحته ومن فوقه.
الرئيس الفلسطيني الشهيد أبو عمار وبالرغم من فائض النضال الذي قدمه على مدار أربعة عقود كان أحد المقصرين من دون قصد بحق المسجد الأقصى، إذ احتفظ إلى جانبه دائماً بصور لقبة الصخرة المشرفة من دون المسجد الأقصى، وأصبحت هذه القبة المعلم الوحيد الذي يسوَّق له إعلامياً، والشيخ الشهيد أحمد ياسين احتفظ طويلاً بخريطة لفلسطين من ورائه إلى جانب صورة جميلة لقبة براقة بالذهب اللامع فأين المسجد الأقصى، ومن المسؤول عن حملة التجهيل غير المقصودة بحقه.
واقع المقدسات الإسلامية الخطير وتحديداً في بيت المقدس يقودنا إلى التفكير بكل المعطيات التي تدعم من مكانها ومكانتها، و»قبل أن تقع الفأس بالرأس« ويصبح هدم الأقصى هيناً لاسيما مع الإبقاء على الصور المضللة لقبة الصخرة، فجدران الأقصى تبكي تهميشه وتغييبه من الألم في شقوقها.
وفي حقيقة الأمر فإن الإسرائيليين يعملون بتواصل بحثاً عن الهيكل الذي يزعمون أنه في أسفل المسجد الأقصى ولا يكتمل مخططهم إلا بهدم قبلة المسلمين الأولى، ومن دون شك فهم يحتاجون إلى الوقت مثلما الوسائل في سبيل وصولهم إلى هدفهم، ونحن لا ينبغي أن نمد لهم أيدينا ونحن نائمون، فبروز قبة الصخرة للمشهد الإعلامي أمر خطير يجسد لاحقاً الفهم الخاطئ فيكون هدف الإسرائيليين سهلاً.
الجميع مطالبون بإعادة المسجد الأقصى إلى رسمه الحقيقي في أذهان العالم، ولهذه الهفوة الصامتة والخطيرة تداعيات كبيرة ومهمة على المدى الأبعد إذ لا بد من معرفة هدفنا ومقدساتنا التي نقاتل من أجلها في سبيل الوصول إلى ما نصبو إليه، فأين دور إعلامنا ولا أقول الفلسطيني فقط!