أقرت قمة مكة المكرمة الاستثنائية تحويل مجمع الفقه الإسلامي مرجعية عليا للمسلمين تكون مصدراً وحيداً للفتوى والتشريع الإسلامي، بعدما باتت الفتوى في غير من هم أهل لها، حتى أنها أصبحت أقرب إلى الفتوة.

فالمتطرفون يستخدمون الفتوى الدينية لتبرير سلوكهم ومخططاتهم ودوافعهم وتكفير السلطة والمجتمع، فيما السلطة تستخدم الفتوى في المقابل في المواجهة لتكفير المتطرفين والمتشددين وحتى من يتعاطف معهم .. وهكذا باتت الفتوى سلاحاً في حرب، طرفاها خاسر في الوقت الذي كان يجب أن تكون فيه منهج هدي وتنوير طريق.

قرار قمة منظمة المؤتمر الإسلامي التي دعا إليها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز قرار حكيم ويجب أن يكون الالتزام به إلزامياً، حكومياً، ومؤسساتياً. وأن تعتبر أي فتوى لا تنال مصادقة مجمع الفقه الإسلامي كأنها لم تكن »وهذا الإلزام يجب ألا يقتصر على قرارات واتفاقات بين ممثلي الدول أو حتى قادتها،

بل يجب أن يكون هناك تركيز على ترسيخ هذا التوجه بين الشعوب المسلمة لأنها في نهاية المطاف جمهور هذه الفتاوى وهدفها، وهذا الأمر يتأتى عبر حملة إعلامية مكثفة تصل إلى كل شخص يقول لا إله إلاّ الله من سواحل المحيط الأطلسي في موريتانيا والمغرب إلى سواحل المحيطين الهندي والهادي في ماليزيا والصين.

وحتى يجني المسلمون فوائد هذا القرار يجب أن يكون المجمع أيضاً بعيداً عن تأثير السلطة، وهو الأمر الذي كان في الأساس الدافع وراء توجه المواطنين إلى الإفتاء البعيد عن السلطة، ليقعوا في النهاية في شرك مدعي الإفتاء، ما أدى إلى تراجع مكانة المفتين وأهل العلم، بعدما كان المفتي ذا وزن وهيبة لدى الجميع من الفقير إلى أمير المؤمنين.

ولكن مع مرور الزمن وتفرق الملوك والطوائف وبلاد المسلمين وتعدد الحكام ظهرت بطانة تجتهد لـ »تشريع« ما يأمر به الحاكم، حتى بات لكل حاكم مفت خاص، فتعدد المفتون وتضاربت الفتاوى .. وعمت الفتنة.

وبات أي شخص يلقب نفسه بشيخ ويمنح نفسه تفويضاً للإفتاء، حتى يكاد يكون عدد المفتين أكثر من طالبي الفتوى، على الرغم من أن الأسئلة التي توجه إلى البرامج الدينية (في الإذاعات أو التلفزيونات) تكاد توحي بأن لا أحد يعلم أبسط أمور الدين، من الصلاة حتى الحج مروراً بالصوم والزكاة.

قرار قمة مكة يجب ان يلقى الدعم الحكومي، فقط الدعم، حتى ننقذ الأمة من حرب الفتاوى والأهواء، ونعيد لعلماء الدين المكانة التي يستحقونها وبالتالي نعطي فتواهم المصداقية والحصانة المطلوبة لنحمي الدين ممن في قلبه مرض.

nidal@albayan.ae