EMTC

الرجل الماليزي الجميل

الرجل الماليزي الجميل

في منتدى دبي الأخير للقادة تحدث بعض رجال الفكر المختلفين ومن أصقاع العالم المختلفة، إلا أن، وبشهادة الغالبية العظمى من المشتركين، كان حضور الدكتور مهاتير محمد مختلفا وكانت كلمته وإجاباته ذات صدى خاص في نفوس الغالبية. لم يتوقف الحضور عن التصفيق تقريبا كل على رأي قاله، فقد كان كعادته جريئاً، مباشرا، ولا يلزمه شيء غير فكره الذي يؤمن به ويحكم كل مواقفه وأطروحاته.

أحد الأسئلة التي وجهت لمهاتير في هذا اللقاء هو »هل أنت ديكتاتور؟« فأجاب تهكما: نعم أنا ديكتاتور، لذلك تركت السلطة برغبتي في الوقت الذي كان يمكن لي أنا أبقى فيها وبرغبة الجميع، وليس باستخدام أي شكل من أشكال القوة.

وليس بخاف على الجميع أن الدكتور مهاتير تنحى عن منصبه كرئيس وزراء لماليزيا بعد 22 سنة من شغله لهذا المنصب، وبالرغم من الضغط الشعبي الكبير الرافض لتنحيه. تنحى مهاتير عن رئاسة الوزراء ولكنه مازال متربعا على القمة منذ خروجه، وسوف يبقى على القمة بسبب ما حققه لبلاده من ازدهار ونمو اقتصادي، اجتماعي وسياسي لم تصل إليه أية دولة إسلامية آسيوية.

عندما جاء مهاتير إلى سدة الحكم تخوف البعض من مواطني ماليزيا ذوي الأصول الصينية والهندية من احتمال أنه سوف يكون متحيزا للسكان الأصليين الماليزيين واللذين هم من العرق المالاوي، ألا أنه بحكمته ووطنيته العالية تجاوز كل هذه التقسيمات العرقية والطائفية واستطاع أن يحقق السلام والاستقرار الداخلي لدولته، وذلك من خلال سياسات عادله أنصفت الجميع.

لم يأخذ مهاتير من الأغنياء الصينيين طليعي المالاويين الفقراء، ولكنه أسس وعزز سياسات إنتاجية وتنموية تعطي الغني الفرصة للتحقق والثراء الأكبر وتعطي في الوقت نفسه فرصة أكبر للفقير لتحسين ورفع مستوى معيشته.

لقد نجح مهاتير في عقد صفقة تاريخية بين جميع النخب الماليزية باختلاف طوائفها تقوم على دعم سياسات تنمية الرأسمالية الماليزية ــ الصينية وغيرها، وفي المقابل وفر فرص التعليم والبعثات إلى الخارج،

وأيضا الفرص المتميزة في مجال التعليم والصحة للطائفة المالاوية. لم يحقق مهاتير كل ذلك بعيدا عن تعاليم الدين الإسلامي، بل بالعكس كل ممارساته الاقتصادية والسياسية كانت ممزوجة بتعاليم الدين، فهو رجل لا يرى الإسلام على أساس أنه مجرد شعائر دينية ولكنه ينظر إليه كمنهج حياة متكامل.

يتبنى مهاتير رؤية تقدمية للدين، ويعارض الأصولية والحركات الدينية الأخرى التكفيرية وغيرها، حيث أنه يعتبرها أحد العوامل المسؤولة عن تخلف كثير من الدول الإسلامية. لقد كان رد مهاتير جريئاً ومباشراً عندما سئل في منتدى لقاء القادة عن تسييس الإسلام،

حيث قال »ان الإسلام السياسي ليس هو الإسلام، فالتعليم الإسلامي الحقيقي ليس سياسيا، أنما هناك سياسيون يستغلون الإسلام وتعاليمه لتحقيق مآربهم الشخصية«. من الواضح أن التجربة الماليزية لم تنطلق في السباق العالمي وتنافس دول العالم المتقدم ألا بفضل حكمة هذا الرجل، وبفضل علمه وفهمه العميق، وليس المتطرف، لأصول دينه.

لم يكن مهاتير مشغولا فقط ببلده وقضايا مواطنيه، ولكنه كان أيضا مشغولا ومناصرا لكل القضايا الإنسانية التي يؤمن بها. فعلى سبيل المثال، كان مهاتير داعما ومناصرا للقضية الفلسطينية منذ البداية، ويعتقد ان الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وكما صرح في لقاء القادة، هو »مشكلة أرض وليست مشكلة دينية،

والدليل على ذلك وجود عرب مسيحيين يقاتلون إلى جانب المسلمين من أجل تحرير فلسطين«، ويضيف »اذا كانت مقاومة الفلسطينيين أو العراقيين وتفجيرهم لأجسادهم تعتبر إرهابا، فكذلك يفسر أيضا فعل دولة كبرى عندما تستخدم كل تقنياتها لقصف وقتل مدنيين أبرياء«. وأن سبب الإرهاب الأول،

كما يعتقد مهاتير، هو احتلال دولة لأراضي دولة أخرى وسلب حقوق مواطنيها الأصليين. كذلك لم يتوقف مهاتير وفي كل المحافل الدولية عن الدعوة إلى توحيد العالم الإسلامي ووقوف كل المسلمين كأخوة في مواجهة قضاياهم المصيرية.

أحد الأسئلة التي وجهت للدكتور مهاتير في ملتقى القادة بدبي كان حول انتقاده لإسرائيل وموقفه من السامية. اهتزت القاعة تصفيقا لإجابته التي عبرت، على ما أعتقد، عما يجول في نفوس غالبية الحضور، فقد قال بجراءته المعهودة »اليهود ليسوا شعبا أسمى من باقي البشر لكي لا ينتقدوا«،

وتابع »لماذا عندما ينتقد الإسلام أو عندما يتكلم أحد بالسوء عن الإسلام لا أحد يحرك ساكنا، وعندما ينتقد أحد اليهود يتهمونه بمعاداة السامية، فهل اليهود أسمى من باقي البشر لكي لا ينتقدوا« ويضيف مكمل حديثه »أو ليس العرب أيضا ساميين«.

وأخيرا عندما سئل مهاتير عن الديمقراطية الغربية وإذا ما كان يعتقد بأنها فاسدة، أجاب بصراحة »نعم هي فاسدة، والدليل الأكبر على فسادها الممارسات التي تقوم بها الولايات المتحدة الأميركية التي تعتبر اليوم أكبر دولة ديمقراطية«.

لا يرفض مهاتير الديمقراطية، بل بالعكس يرى فيها نظاماً سياسياً جيداً، ولكنه أيضا يراها كأي نظام سياسي آخر معرضة للفساد وإساءة استخدام السلطة، وكغيرها من الأنظمة، غير معصومة من الخطأ ولا هي بالضرورة مأمونة العواقب، كما أنها لا تمثل ضمانا لتحقيق الاستقرار السياسي أو التقدم، والدليل على ذلك ما نراه اليوم من الديمقراطية الأميركية.

يؤكد مهاتير دائما وأبدا بأن لكل دولة خصوصيتها، ونظام الحكم الذي قد يكون ناجحا في دولة ما لا يعني بالضرورة نجاحه في دولة أخري، فلكل أمة خصوصيتها السياسية والثقافية الفريدة، والتي يجب أخذها في الاعتبار في حال أي تغيير سياسي، فلا يوجد هناك، بالنسبة لمهاتير، نظام عالمي صالح للتطبيق في كل مكان وزمان.

الدكتور مهاتير محمد نموذج حقيقي للسياسي الشريف الجريء، المؤمن بفكره وقضاياه، والباذل علمه ووقته للدفاع عن ما يؤمن به، والرافض للخضوع والانصياع لهيمنة الآخر. الدكتور مهاتير رجل ذو رؤية واضحة وإرادة قوية وشعور بالمواطنة الحقيقية، استطاع من خلالهما النهوض ببلده ووضعها على خارطة العالم، متجاهلا وغير خاضع لأي ضغوط أو تهديدات خارجية.

جامعة الإمارات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات