أكثر من نصف قرن مر على ذلك اليوم التاريخي لتحرير الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ما هي الدروس وما هي العبر؟ وأين نحن من واقع هذه الحقوق؟ وهل حقاً استفادت الإنسانية من دمار الحربين العالميتين ورضخت لمنطق التعايش السلمي والتكافل الإنساني العالمي.
منطق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يقوم أساساً على المفهوم الواضح والمباشر للعدالة في المعاملة والمقاييس والمعايير وعدم التمييز والتفرقة بين الشعوب والأعراق والأجناس سواء كانوا من سكان الشمال أو الجنوب أو كانوا ينتمون لدول فقيرة أو غنية.
العقود الخمسة الماضية تشير إلى انتهاكات وتجاوزات عديدة تفننت فيها الدول نفسها التي شاركت في تحرير الإعلان، تلك الدول التي نصبّت نفسها مسؤولة عن البشرية جمعاء لكن وفق وجهة نظرها ورؤيتها وقيمها ومصالحها.
أين هي منظمات حقوق الإنسان العديدة والمتنوعة؟ وأين هي المنظمات غير الحكومية التي أبدعت في تقاريرها عن انتهاك حقوق الإنسان في الدول التي لا حول لها ولا قوة؟
وأين هي التقارير السنوية التي كانت تتحفنا بها هذه المنظمات والمؤسسات التي تبحث عن تجسيد حرية الإنسان في التدين وفي الفكر والرأي والتعبير وحرية الصحافة وإلى غير ذلك من حقوق كالاتصال والمعرفة والإعلام؟
الملاحظ أن معظم هذه المنظمات أصابها الشلل التام والعجز عما يحدث هذه الأيام في العراق، وما يحدث في السجون السرية في بعض عواصم أوروبا الشرقية، وما يحدث كذلك في غوانتانامو والأراضي الفلسطينية المحتلة. الكيان الصهيوني بقيادة شارون اخترق كل القوانين والأعراف الدولية،
وبوش تتأكد أكاذيبه الأكذوبة تلو الأخرى وهو يضرب عرض الحائط كل المواثيق والقوانين والأعراف الدولية، والإنسانية جمعاء تتفرج في ظل نظام دولي مفلس متعجرف قائم على قانون الغاب وسلطة القوي، نظام تنعدم فيه الأخلاق والمبادئ والقيم الإنسانية السمحاء. كل هذا يحدث في زمن الحرب على الإرهاب،
الحرب التي تستخدم كل الوسائل والطرق والسبل ومن بينها الإرهاب لمكافحة الإرهاب، كل هذا يحدث على حساب الحريات الفردية وحقوق الإنسان وكرامته وإنسانيته.
والملاحظ انه منذ البداية الأولى أي سنة 1948، سنة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كانت الانطلاقة خاطئة وكانت هناك ازدواجية في المقاييس والمعايير حيث أن في تلك الحقبة التاريخية كانت دول وأمم وشعوب ترزح تحت نير الاستعمار ولم يتطرق لها الميثاق لا من قريب ولا من بعيد ولم يولها أي اعتبار.
ما هو الوضع في أيامنا هذه، أيام النظام الدولي الجديد والعولمة والقرية العالمية والتجارة الالكترونية. وما هو الوضع ونحن في نظام القطبية الأحادية وهل تمّت عولمة ميثاق حقوق الإنسان؟ أم أن هناك قوى فاعلة في النظام الدولي تستعمل المصطلح والمفهوم وفق معطياتها ومصالحها وهل بإمكاننا الكلام عن عالمية حقوق الإنسان أم عولمة حقوق الإنسان؟
أين الدول المدافعة عن الإعلان مما يحدث لأطفال ونساء فلسطين، للصحافيين الذين يبحثون عن الحقيقة لتقديمها للرأي العام، أين هي القوى الدينية العالمية مما يحدث للمساجد والكنائس في فلسطين؟
ما يمكن قوله ان حقوق الإنسان مثلها مثل الديمقراطية ومصطلحات عديدة أخرى أصبحت سلطة تمارس وتُوّظف في لغة السياسة والدبلوماسية وأصبحت تستعمل كوسيلة ضغط على عدد كبير من الدول التي تخرج عن طاعة ومسار صانعي النظام الدولي. لقد اتسم ميثاق حقوق الإنسان منذ ظهوره بثغرات ومصطلحات مبهمة والتباسات عديدة تختلف وقد تتناقض مع قيم الكثير من المجتمعات ومعتقداتها الدينية وتقاليدها وعاداتها…الخ.
وإذا رجعنا إلى فلسفة حقوق الإنسان ورجعنا إلى الثورة الفرنسية تحديداً نجد أن المحور الأساسي يتعلق بترسيخ الشعور في نفسية المواطن بالتحرر من الاستبداد والعبودية والتبعية وطغيان طبقة أو فئة معينة في المجتمع على باقي الطبقات والشرائح الاجتماعية الأخرى، وهذه الأمور مع الأسف الشديد قائمة وموجودة داخل الدول وعلى مستوى العلاقات الاقتصادية والسياسية الدولية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل نستطيع أن نضمن حقوق الإنسان لمواطني دولة مستعمرة ( بفتح الميم) وهل بإمكاننا ضمان حقوق الإنسان في دولة تابعة ومُسيطر عليها خارجيا من قبل دولة أو دول أو نظام دولي؟ إشكالية حقوق الإنسان معقدة وأصبحت في عصر العولمة وسيلة ضغط في يد الدول القوية ( حق التدخل) للتحكم في مسار العلاقات الدولية وفق مصالحها وأهدافها، ومن أهم التناقضات التي يعيشها العالم في هذا المجال ما يلي:
نلاحظ أن دولة مثل الولايات المتحدة الأميركية المدافع الأول عن حقوق الإنسان تضرب عرض الحائط بهذا المبدأ في بلدها وداخل حدودها وهذا إذا تعلق الأمر بالأقليات مثل السود والهنود الحمر- السكان الأصليين لأميركا- والأقليات الأخرى ومنهم العرب، ونلاحظ كم من مواطن عربي اتهم وسجن وطرد من أميركا بدون محاكمة وبدون أدلة قاطعة وبدون عدل ولا شرع.
وقانون مكافحة الإرهاب الأخير في أميركا يخترق المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية للفرد من حق في الخصوصية والمعرفة والاتصال. وما ينسحب على أميركا ينسحب على معظم الدول الأوروبية والدول المتقدمة.
فرنسا مثلا في تعاملها مع المسلمين ومع مواطني شمال إفريقيا تبتعد كلياً عن شيء اسمه حقوق الإنسان وما حدث مؤخرا في ضواحي باريس ما هو إلا مثال صارخ للتهميش والإقصاء والعنصرية وهذا ما يتناقض جملة وتفصيلا مع مبدأ الثورة الفرنسية الذي يقوم على ثلاثية » الحرية-المساواة- الأخوة«.
قصة محاكمة »غارودي« واغتيال »مهدي بن بركة« كلها وقائع تبقى وصمة عار على دولة تدعي في شعاراتها الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية بعيدا عن العنصرية والتمييز والتفرقة.
نلاحظ كذلك أن الدول الفاعلة في النظام العالمي تساند وتدّعم أنظمة مستبدة وديكتاتورية في العالم الثالث وهذا يتناقض جذريا مع مبدأ حقوق الإنسان لأن هذه الدول وبحكم نظامها السياسي السلطوي لا تستطيع بأي حال من الأحوال أن تحترم حقوق الإنسان إذا غابت الحريات الفردية وحرية الفكر والرأي والتعبير والفصل بين السلطات،
والغريب في الأمر أن الدول الغربية تساند هذه الدول النامية لفترة زمنية معينة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية والاقتصادية وبعد فترة معينة تنقلب عليها مثل ما حدث مع الولايات المتحدة وبنما والولايات المتحدة و»تشيلي بينوشيه« وغيرها كثير من الأمثلة كتدخل دول غربية في إطاحة دول انتخبت بطريقة ديمقراطية في العالم الثالث، فمبدأ حقوق الإنسان بالنسبة للدول القوية ينتهي عندما تبدأ مصالحها.
نلاحظ أن الولايات المتحدة التي نصّبت نفسها رقيب حقوق الإنسان في العالم تكيل بمكيالين إذا تعلق الأمر بإسرائيل وبأطفال فلسطين وبالغارات على جنوب لبنان واحتلال الجولان، والغريب في الأمر أن أميركا نفسها تصنف سوريا في خانة الدول الإرهابية والدول التي لا تحترم حقوق الإنسان. أما بالنسبة لإسرائيل فُتوصف بالدولة الديمقراطية المحترمة لحقوق الإنسان وللحريات المختلفة.
أين هي حقوق الإنسان عندما تحكّم البنتاغون في حرب الخليج الثانية في الأخبار والمعلومات وأصبحت قناة سي.ان.ان هي الوسيلة الإعلامية الوحيدة في العالم المسموح لها بتزويد البشرية جمعاء بما تراه خبرا أم لا في وقائع الحرب؟ أين هو حق الاتصال وحق المعرفة وحق الإعلام؟
السيطرة على الانترنت وعلى الصناعات الإعلامية والثقافية العالمية من قبل حفنة من أباطرة المال والسياسة ومن تجار الحروب والفتن تتناقض جملة وتفصيلا مع مبدأ التنوع الثقافي والحضاري والديني وتتنافى بذلك مع حقوق الإنسان، وحق الإنسان في المعرفة والتواصل.
و هكذا إذن أصبح مبدأ حقوق الإنسان وسيلة في يد الدول القوية للضغط وإدارة شؤون العالم وفق ما تمليه عليها مصالحها وأهدافها الاستراتيجية ونلاحظ هنا أن حتى بعض المنظمات غير الحكومية التي تعنى بشؤون حقوق الإنسان قد تم تسييسها وخرقها واستغلالها وانحازت لدول ولمصالح ولأيديولوجيات معينة على حساب خدمة مبدأ إنساني عالمي لا يفرق في الأساس بين الجنسية والأعراق واللون والدين.
كيف يكون مستقبل حقوق الإنسان في ظل العولمة؟ عولمة لا تؤمن بخصوصية الشعوب ولا بالشعوب المستضعفة، عولمة همّها الوحيد هو سلطة المال والسياسة والقوة المتمثلة في الشركات المتعددة الجنسية التي تسيطر على المال والأعمال والصناعات والتجارة الدولية والتي لا حدود لها ولا بلد ولا ذوق ولا طعم تعمل ليل نهار من أجل هدف واحد وهو الربح.
هذه الشركات المتعددة الجنسية التي تبتز أطفال العالم وفقراء العالم في ضوء النهار من جهة وتطالب من جهة أخرى بحقوق الإنسان. أليس من حق أطفال العراق العيش، وكيف لنا أن نتكلم عن حقوق الإنسان في العالم وهناك شعوب محرومة من حقها حتى في الماء؟ يبدو ببساطة أن العالم بحاجة لوقفة مع الذات ومع أخلاق الأنا والغير لأن هذا هو التحدي الكبير الذي سيواجهه مستقبلا.
التحدي يكون أساسا في القيم الإنسانية والأخلاقية أي الضرورة والحاجة الماسة لـ »أخلقة« العلاقات الدولية حيث إنه إذا سيطرت ثقافة انعدام الأخلاق وانعدام القيم على علاقات الشعوب والدول فسيكون المصير ما نراه هذه الأيام في العراق وفي غوانتانامو وفي السجون السرية في شرق أوروبا.
أستاذ الإعلام- جامعة الشارقة