من يقرأ التاريخ قراءة متأملة صحيحة، يجد أن ثقافة القوي تفرض نفسها على ثقافة الضعيف حتى يصبح مقلِّداً له في كثير من وجوه الحياة.وفي العصر الحديث، أصبح الغرب هو القوي مقارنة بأمتنا العربية بخاصة وعالمنا الإسلامي بعامة.
ولذلك فإنه ليس غريباً إن وجدت بعض مُثل الغرب وعاداته وتقاليده طريقها ممهداً سهلاً إلى صميم مجتمعاتنا ووسائل ثقافاتنا. ومن أبرز جوانب الثقافة المعاصرة المؤثرة في المجتمعات الإعلام؛ مرئياً أو مسموعاً أو مقروءاً.
وهو أداة ذات فاعلية قوية تغرس مُثل الخير والهداية، وتعمِّقها في النفوس إن هي تحرَّت الأمانة والصدق، وتبث عوامل الشر والضلال إن هي سلكت طريق التزوير والكذب. وقد تطلق تعبيراً، أو مصطلحاً، وتوالي إطلاقه حتى يترسَّخ في الأذهان، مع أنه لا يتفق مع الحقيقة. فتكون النتيجة طمس هذه الحقيقة لغرض قد يخفى على البعض، لكنه لا يخفى على الجميع؛ وبخاصة المتدبِّرين في الأمور.
وبقدر ما تملكه الجهة الإعلامية من إمكانات مادية ومهارات فنية، منهجاً وأسلوب عرض، يكون تأثيرها، إيجاباً أو سلباً. وإذا كانت الأمانة غير متوافرة لدى تلك الجهة عرضت الأمور بطريقة لا تتفق مع الحقيقة، بل تجافيها.
ومما يجده المدبِّر في الإعلام العالمي أن إعلام الغرب القوي، علمياً وسياسياً واقتصادياً، يتعامل مع الأحداث في بلدانه الغربية تعاملاً أقرب ما يكون إلى الصدق والأمانة. لكنه حين يتناول الأحداث الجارية في بلدان أخرى لا يتحرَّى ــ في بعض الأحيان ــــ ذلك الصدق وهذه الأمانة.
وهو ما يتَّفق إلى حدٍِ ما مع المنهج الذي تسير عليه قياداته السياسية. فمن المعلوم أن هذه القيادات تحترم ــ بدرجة كبيرة ــ ما تنص عليه قوانين بلدانها من وجوب مراعاة الحرية وحقوق الإنسان إذا كانت تتعامل مع مواطنيها.
لكنها ــ أحياناً ــ تتخذ مواقف منتهكة لتلك الحرية وهذه الحقوق إذا كانت تتعامل مع بلدان أخرى، ولا سيما البلدان العربية والإسلامية. ولا يعني ما ذكر ــ بطبيعة الحال ــ أنه لا يوجد بين الإعلاميين الغربيين من يتحرّون الصدق ويراعون أمانة الكلمة خير مراعاة. فكم من أصوات غربية نبيلة وقفت مواقف مشرفة مع ما هو حق، وحاربت بكل ما تستطيع ما هو باطل.
وعلى أي حال، فما دامت هذه المقالة عن الانزلاق الإعلامي فإن الحديث فيها مركز على محاولة إيضاح ما يراه كاتبها انزلاقاً في الإعلام العربي. والسبب الرئيس في هذا الانزلاق، فيما يبدو، هو ما أشير إليه في مستهل هذه المقالة من فرض ثقافة القوي نفسها على ثقافة الضعيف، وبما أن الإعلام جانب من جوانب الثقافة فإن الإعلام العربي التابع لأمة ضعيفة في حاضرها والمتخلف، منهجاً وأسلوباً، فرض عليه واقع الأمر أن يقلد إعلام الغرب القوي المتقدم في هذين الأمرين دون رؤية.
ولعل من أوضح الأمثلة على انزلاق الإعلام العربي وراء الإعلام الغربي تبني ما روجه إعلام الغرب من تسمية منطقتنا العربية »منطقة الشرق الأوسط«، مع وضوح الدلالة على أن من أهداف هذه التسمية إضعاف الشعور بهويتها العربية، إن لم يكن طمس هذه الهوية.
بل إن قضية فلسطين العربية، التي هي قضية أمتنا، عربية وإسلامية، الأولى لم تعد تسمى إلا قضية الشرق الأوسط في أكثر وسائل إعلامنا المختلفة. وهذا كله يصب في صالح الدولة الصهيونية المغتصبة لفلسطين، ويتماشى مع طرح وزير خارجيتها السابق، شمعون بيريس، المنادي بما سماه »الشرق أوسطية«.
ومن الانزلاق الأعمى للإعلام العربي إطلاق تعبير »مشروعات السلام« على مشروعات التسوية، أو التصفية التي يراد لها أن تتم بين الكيان الصهيوني المغتصب المدعوم دعماً غير محدود من قبل المتصهينين، وبخاصة قادة أميركا، وبين الفلسطينيين المغتصبة أرضهم والذين هم جزء من أمة استمرأ بعض قادتها الذل والهوان،واستطاب بعض كتابها التبعية المفضوحة لأعداء أمتنا.
ولذلك فإن تلك المشروعات تتم بين طرف قوي يفرض شروطه، وهو الجانب الصهيوني، وطرف ضعيف أصبح يقبل هذه الشروط، أو معظمها، تائهاً وراء سراب بقيعة وكان لا يدرك أنه يتعامل مع عدو ليس لديه رغبة في السلام إلا إذا كان له وحده. والأدهى من ذلك أن بعض أجهزة الإعلام العربي كانت تصف دولة أميركا بأنها »راعية السلام« رغم أن قادتها يدعمون الصهاينة المرتكبين لأشنع الجرائم دعماً منقطع النظير.
ومن الانزلاق الإعلامي ترديد بعض أجهزة الإعلام العربية ما يردده الإعلام الأميركي من أن أميركا تشن حرباً على الإرهاب وكأن هذه الدولة المتجبرة لم تقم أساساً على الإرهاب، ولم يحفل تاريخها منذ أن قامت بأدلة واضحة كل الوضوح على اتصافها بما تدعي زوراً وبهتاناً أنها تحاربه.
بل هبط مستوى بعض أجهزة الإعلام العربي إلى درجة التحدث عن أميركا وكأنها مخلصة لما تزعم أنها تطبقه من ديمقراطية، وتراعيه من حقوق للإنسان مع أن التاريخ يثبت أنها تآمرت ـــ ومازالت تتآمر ـــ على حكومات منتخبة ديمقراطياً، مثل حكومة مصدق في إيران، وحكومة الليندي في تشيلي،
أما مراعاتها لحقوق الإنسان فمن آخر الأدلة على كذب زعمها هذا دعمها غير المحدود للكيان الصهيوني المرتكب أفظع الجرائم، وما ارتكبته هي من جرائم فظيعة في كل من أفغانستان والعراق.
ومن الانزلاق الإعلامي الأعمى ترديد بعض أجهزة الإعلام العربية عبارة »العنف والعنف المضاد« أو »العنف المتبادل« لوصف ما كان يجري على ارض فلسطين المحتلة مع أن الواقع هو وجود إرهاب دولة بجميع الأسلحة الفتاكة يرتكب ضد شعب يقاوم من احتل أرضه بإيمانه بربه، ثم بتصميمه على استعادة حقوقه مهما كلفه ذلك من تضحيات، بل إن بعض الأجهزة المذكورة تذيع أخبار الجرائم الصهيونية تماماً كما يذيعها إعلام العدو دون إيحاء بتأثر لفواجع الجرائم المرتكبة.
وماذا عن تعامل الإعلام العربي مع قضية العراق؟
لقد راحت بعض أجهزة هذا الإعلام تردد ـ بغباء أو بدوافع ذاتية مريضة ـ ما كان يروجه الإعلام الأميركي المتصهين من أن الهجوم على ذلك القطر العربي المسلم هو القضاء على أسلحة الدمار الشامل التي ادعى انها موجودة لدى قيادة العراق حينذاك، ولم يخطر ببال أرباب هذه الأجهزة المنزلقة وراء إعلام أعداء أمتنا التفكير في أن فرق التفتيش الدولية لم تعثر على أسلحة دمار شامل رغم عملها المتواصل.
وعندما هاجمت قوات العدوان الأميركية العراق ـ وإلى جانبها قوات بريطانيا التي سبقت عداوتها للأمة العربية عداوة أميركا ـ تحوّل إعلام المعتدين إلى وصف العدوان بأنه تحرير للشعب العراقي من حكم ظالم ليحل محله حكم ديمقراطي عادل. وما كان ذلك الادعاء إلا كذباً. لكن لم يكن للإعلام العربي المنزلق إلا أن يردد ما كان يردده إعلام المعتدين الأقوياء من كذب.
على أن الأدهى والأمر انه مع فشل الذين اعتدوا علي العراق في العثور على أسلحة دمار شامل سكتت قيادتهم عن استعمال القيادة العراقية لها ــ إن لم تكن ساعدتها ــ عندما كانت لديها وكانت مصالحها منسجمة مع مصالح تلك القيادة.
ومع اتضاح أن الهدف الحقيقي للعدوان لم يكن رأفة بالشعب العراقي أو تحريراً له من ظلم فإن بعض أجهزة الإعلام العربي مازالت بعيدة عن تسمية الأمور بما يتفق مع حقيقتها. فبدلاً من تسمية قوات الاحتلال بهذا الاسم المنطبق مع الواقع راحت تردد ما يقوله إعلام المعتدين بتسميتها »قوات التحالف«.
ومن المعلوم أن أهداف تسميتها بالاسم الأخير المخالف للواقع إبعاد كلمة »الاحتلال« عن أذهان المتلقين، وذلك لما تعنيه من حدوث عدوان نتج عنه سيطرة على أرض المعتدى عليه. ولأن بعض أجهزة الإعلام العربي تأبى إلا التبعية لإعلام المعتدين على العراق، الذي هو جزء عزيز من أجزاء الوطن العربي،
فانها مضت تردد مع إعلام أولئك المعتدين ما تردده، واصفة مقاومة العراقيين لقوات الاحتلال المعتدية وقوات من نصبتهم أعواناً لها بأنها من فعل »رجال صدام«، متجاهلة أن الشعب العراقي مثل كثير من الشعوب، لا يقبل أن يحتل أرضه أجنبي.
وفي الختام يتبادر إلى الذهن هذا السؤال: هل يستطيع إعلام أمتنا أن يتحرر من ربقة استعمار إعلام أعدائها؟ والإجابة عن هذا السؤال واضحة، فالإعلام أداة لا يمكن أن يؤثر فيها إلا فعل عربي جاد على المستويين القيادي والشعبي.
وهذا الفعل العربي الجاد لا تبدو في الأفق بوادر وجوده الآن، ولا احتمال حدوثه في المستقبل القريب. والسبب يكمن فيما أشار الله إليه في كتابه العزيز »إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ«.