من زمان ومصر بعيدة عن العنف السياسي الداخلي. وحتى عندما عرفته في السابق، كان حالة عابرة، النمط السائد، تمثل عادة بحياة سياسية، ناشطة، بل ساخنة، لكن سلمية، الصراع بقي محكوماً بالقواعد المقبولة، المتعارف عليها والتي راكمتها التجربة المصرية الديمقراطية الناشئة والمتطورة، ولو ببطء،

وينطبق ذلك بشكل خاص على الانتخابات التي كانت تجري في ظل أجواء، لا تعرف التعكير الأمني، ناهيك بالصدامات الدموية، فاليوم الأخير من الانتخابات النيابية، كسر هذه القاعدة وكان على النقيض غير المألوف: يوم دموي فوضوي تسبب بالأذى للعملية الانتخابية ولصورة مصر، فضلاً عن الخسائر البشرية التي وقعت فيه والتي بلغت 8 قتلى ومئات الجرحى.

مصر بقيت منيعة على العنف المتجول في المنطقة، لديها صمامات أمانها الذاتية. وكان الاعتقاد بأن هذه الحصانة تعززت بعد التعديل الدستوري الأخير الذي فسح المجال لأول انتخابات رئاسية تعددية فكانت التوقعات ان هذا التطور، بالرغم من تحفظات أطراف مصرية عليه، من شأنه ان يساهم في انسيابية الحياة السياسية وتنفيس احتقاناتها وبما يجعلها أقل توتراً وأكثر استرخاء.

فتوسيع المشاركة من شأنه أن يؤدي إلى انفراج سياسي، حيث تتوفر الفرص والقنوات لطرح المواقف والبرامج والصراع حولها ضمن الأطر الدستورية، وليس في الشارع. وفي مناخ من هذا النوع تسود المنافسة السياسية المشروعة، التي تغني التجربة وتراكم ثقافة الانتخاب والقبول بالتنوع، مع الاحتكام لقوانينه.

المؤسف ان ما حصل طوال شهر الانتخابات المصرية خالف هذه التوقعات، وبالذات ما حصل في الجولة الأخيرة أول من أمس، التقارير تحدثت عن وقائع ومجريات وأحداث صبت في تلطيخ العملية بل في جعلها مدخلاً للمزيد من التأزيم السياسي بدلاً من حلحلة الأمور وإدخالها في مجرى يعزز من التجربة المصرية الجديدة ويمنحها المزيد من الزخم والتفعيل.

فما جرى من مصادمات عنيفة واشتباكات وحصارات، وما قيل عن حصول منع تجول، أصاب العملية الانتخابية بنكسة. لاسيما ما تردد عن توقف عملية الاقتراع في مراكز متعددة، لأسباب أمنية وغيرها.الأمر الذي حمل الكثيرين من المراقبين والقضاة ومنظمات حقوق الإنسان على رفع اعتراضاتهم.

لم تشهد مصر في انتخابات سابقة، مثل هذه الأعمال، علماً بأنها كانت تجري في أجواء وبمعطيات أقل انفتاحاً ورحابة من اليوم. مع ذلك جرت الرياح بما لا تشتهي السفن. بل بما لا يشتهي محبو مصر ومريدو الخير لها.

في أية حال، الخسارة وقعت. التمني أن تكون هذه البضاعة الغريبة عن السوق السياسية المصرية، بضاعة من نوع الاستثناء على القاعدة، الذي يؤدي إلى الاستدراك والعودة بمصر إلى موقعها ودورها الريادي والسباق في المنطقة.