تشرين - سوريا

الحقيقة المستهدفة

غدت عبارة معرفة الحقيقة المتداولة بكثرة في لبنان هذه الأيام مهزلة المهازل، ولاسيما أن مردديها من دعاة ما يسمونه: ثورة السيادة والاستقلال، يتناسون ماضيهم وحاضرهم، ويقولون من الشعارات الرنانة لاوالعبارات «الأخلاقية» ما لا يقبله عقل سليم.

آخر ما طلع به هؤلاء المتناسون من تجار المواقف والسياسات هو أنهم يريدون معرفة حقيقة المقابر الجماعية المنبوشة «بقرار سياسي سياسي» كما قالت واحدة من رموزهم. ‏

حقيقة المقابر الجماعية ! وهل يظنون أن اللبنانيين سذّج، ولا يعرفون من حفر هذه المقابر، ووضع الضحايا فيها في وضح النهار وعلى مرأى من الجميع؟ ‏

اللبنانيون لم ينسوا بعد، وكذلك نحن كإعلاميين بحكم متابعتنا للحرب الأهلية اللبنانية، أن الكثيرين من هؤلاء الذين ينادون بمعرفة حقيقة المقابر الجماعية هم أنفسهم الذين قتلوا، ودفنوا، وخربوا، ونهبوا. ‏

فهم الذين جهزوا الميليشيات، وسلحوها، ودربوها، ودفعوا بها إلى الحرب الأهلية التي استمرت أكثر من خمسة عشر عاماً. ‏

لقد قتلوا على الهوية من أجل القتل، وقتلوا من أجل نهب الأموال، وقتلوا من أجل الزعامات والكانتونات والإدارات الذاتية، كل ذلك كان يحدث على المكشوف في المدن والقرى والجبال، وكانت النتيجة مئة أو مئة وخمسين ألف ضحية لبنانية ـ لا أحد يعرف الرقم الصحيح ـ وكل هؤلاء الضحايا أو معظمهم دفنوا في مقابر جماعية منتشرة على معظم الأراضي اللبنانية. ‏

أصحاب الهجمة الدعائية الذين يصرخون اليوم مطالبين بمعرفة الحقيقة يعرفونها جيداً، لأن دورهم كان التغطية على الجرائم الميليشياوية لأسباب لا مجال للخوض فيها الآن. ‏

وبالمناسبة لا بدّ من الإشارة إلى أن هذه الرموز الإعلامية المتفرغة الآن للحديث عن المقابر الجماعية قبضت أموالاً حتى من الإسرائيلي أثناء الغزو، وتحولت الآن إلى مركز توزيع للأموال الأميركية للأغراض نفسها. ‏

هذا واقع عرفه اللبنانيون وعرفناه بحكم مواكبتنا للحرب الأهلية اللبنانية، وللجهود التي بذلتها سورية بدماء أبناء قواتها المسلحة من أجل وقف الاقتتال اللبناني ـ اللبناني، وقد حققت ما أرادت. ‏

ويعرف الشعب اللبناني أكثر من غيره علاقات هؤلاء الناعقين بالمحتل الإسرائيلي، وتاريخهم في هذا المجال ليس بحاجة للنبش، لأنه مفضوح وموثق ومتداول على نطاق واسع. ‏

وبعد.. ماذا يمكن أن نسمي دعوتهم المزعومة والمفاجئة لمعرفة حقيقة المقابر الجماعية؟ ‏

وماذا يمكن القول في متاجرتهم بحقيقة اغتيال الحريري التي يريدونها من أجل تدويل كل شيء في لبنان وليس من أجل معاقبة الجناة؟ ‏

إن ما يجري يؤكد أن الحقيقة الناصعة ممسوحة من عقولهم؛ والمطلوب من جانبهم استهداف لبنان المقاومة والصمود، وسورية الرافضة للركوع.‏

طباعة Email
تعليقات

تعليقات