لم تضف فضيحة المقالات السابقة التجهيز في دهاليز البنتاغون والمدفوعة الأجر لبعض الصحف العراقية جديدا إلى سجل الفضائح الأميركية في العراق, والذي بدأ غزوه بأم الأكاذيب (أسلحة الدمار الشامل) للتغطية على أبشع جرائم التدمير الشامل، ومازالت فضائحه تتوالد يومياً.
وتفرخ على مدار الساعة مهازل تنتقص من مصداقية الصحافة ووسائل الإعلام, فضلا عن انتهاك حق الإنسان في معرفة الحقيقة والتعرف على مجريات أحداث الواقع كما هي وليس كما يريد البعض من أصحاب المصالح أن نراها، لدرجة أن تتحول شمس الضحى العالي إلى ظلام دامس.
الجديد الذي أثارته قضية دس مقالات أعدها الجيش الأميركي لنشرها في الصحف العراقية مقابل رشاوى مالية, هو المدى الذي استوطنته صحافة تزييف الواقع، والتضييق الذي تعاني منه صحافة تغطية الحقيقة.
وانكشاف تورط مؤسسات ودول عظمى في هذه الفضائح, بل واستخدام هذا النوع من الصحافة الصفراء منبرا لمخاطبة الرأي العام ليس بهدف تنويره وإعلامه بالحقيقة ولكن لتضليله وتجهيله، عملاً بالمقولة الاستعمارية القديمة »الأمم الجاهلة أسلس قيادا من الأمم المتعلمة«.
على كثرة فضائح الاحتلال في العراق, لن نركز إلا على آثاره الكارثية على حرية الإعلام عربياً ودولياً, بداية من قصف فندق فلسطين في بغداد قبل سقوطها بساعات, واستشهاد مراسل »الجزيرة« بقذيفة صاروخية, في عملية قصف يكتبها في بغداد.
وحتى التفكير في قصف المقر الرئيسي للجزيرة ومكاتبها الفرعية, وفقاً للوثيقة المسربة عن حوار بين الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير,وهي خطة تفوق في بشاعتها همجية النظم البربرية والفاشية, التي تتحسس مسدساتها مجرد الرأي الأخر.
خطورة هذا التردي في التعامل مع الصحافة والاستخفاف بها, والاستهزاء بعقول القراء, انه لا يأتي من جانب رجال أعمال صغاراً أو كباراً أو من وزراء في حكومات غير منتخبة في دول نامية أو متخلفة بمعايير الديمقراطية الأميركية, بل إن الذي يمارسها أميركيون في الإدارة الحالية.
ولا تقتصر على العسكريين من زمرة وزير الدفاع دونالد رامسفيلد بل تمتد إلى نائب الرئيس ديك تشينى, الذي تورط وأحد من كبار مساعديه في فضيحة تسريب اسم عميلة المخابرات المركزية آلــ(سي آي إيه) عقاباً لزوجها السفير السابق وفضحه أكذوبة (يورانيوم النيجر) .
وسعى العراق لبناء أسلحة نووية, وما تلاها من سجن صحافية »النيويورك تايمز« جوديث ميللر, وإجبارها على الكشف عن مصدرها, وتركها عملها نهائياً, تحت وقع تداعيات الفضيحة.
مع ذلك, ليس مطلوبا من الإعلامي العربي أن يركن لدغدغة مشاعر المحرومين من نعمة الحرية، بترديد »الاسطوانة المشروخة« عن فضائح وأكاذيب الإعلام الغربي, لأن ذلك سيشجع أعداء حرية الصحافة من صغار الطغاة وأباطرة الفساد.
ويدفعهم للاستقواء والتغول والهجوم بأحذيتهم الثقيلة على أصحاب الأقلام الحرة الشريفة, ومبررهم أن أعتى الديمقراطيات وسيدة العالم الحر تفعل ذلك, وان الحديث عن إعلام حر يغطي الحقيقة مجرد وهم، وسراب, مثل العنقاء والخل الوفي.
أقول ذلك, وفي القلب غصة من تكاثر وشيوع التضليل والتزييف في غير منبر إعلامي عربي, لدرجة أن صحيفة مصرية كبرى ووكالة أنباء لها تاريخها نشرتا واقعة مقتل ناخب من أنصار مرشح معارض في بلطيم بمحافظة كفر الشيخ, معكوسة وفيها تزييف فاضح.
حيث حولت القتيل إلى مناصر لمرشح الحزب الحاكم, وانه ضحية المرشح المستقل, وسايرت خلافاً للحقيقة بيان المصدر الأمني الحكومي, غير عابئة بميثاق الشرف الصحافي والمعايير المهنية.
أيضاً, من واجبنا التذكير بمهنية كثير من الصحافيين الغربيين والأميركيين الذين بدونهم لم يكن متاحا لنا أن نعرف فضائح تعذيب السجناء العراقيين في أبو غريب أو قصص العملاء العراقيين الذين تم إعدادهم في دهاليز البنتاغون.