أصر الرئيس بوش في خطابه قبل أكثر من أسبوع على أن القوات الأميركية لن تنسحب من العراق »قبل تحقيق نصر كامل« ولكنه في نفس الوقت لم يحدد استراتيجيته لتحقيق النصر الذي يصبو إليه باستثناء تكرار ما قيل مراراً وتكراراً من قبله وقبل مسؤولين آخرين في إدارته حول بناء القوات العراقية وبسط الأمن في العراق ومتابعة بناء المؤسسات السياسية والاقتصادية العراقية.

والحقيقة أن ذكر كلمة »النصر« من قبل الرئيس بوش بعد الفشل الكبير الذي حصل في العراق قد تتضمن أكثر من معنى غير المعنى الحقيقي للنصر العسكري أو الاستراتيجي أو السياسي. فالنصر هو أمر نسبي، وليس مطلق، يتم تقييمه طبقاً للأهداف التي تم الإعلان عنها.

وهنا نفهم أن الأهداف الأميركية الأساسية من الحرب على العراق كما أعلنها جميع المسؤولين في الإدارة الأميركية الحالية وعلى رأسهم الرئيس بوش تلخصت في إسقاط النظام العراقي الديكتاتوري وتدمير الأسلحة العراقية ذات الدمار الشامل ودعم الأمن والاستقرار في المنطقة وبناء عراق ديمقراطي حر ليكون واحة ومنارة لنشر الديمقراطية والحرية في باقي أرجاء الشرق الأوسط الكبير.

فأين الرئيس بوش وإدارته من هذه الأهداف وكم من الوقت سيستغرق تحقيق ما تم الإعلان عنه من أهداف وكم من الأرواح والمال والمنازل والبنى التحتية يجب تدميرها للوصول إلى الأهداف الأساسية من وراء الحرب التي اندلعت قبل أكثر من سنتين ولا يعرف أحد متى وكيف ستنتهي؟

علماً أن الأهداف التي نسمع عنها الآن تختلف كلية عن تلك التي سمعنا عنها من قبل والتي تتحدث بشكل رئيسي عن الحرب على الإرهاب وأن العراق تحول إلى ساحة لها.

وهذا ما أكده الرئيس بوش في خطابه بمناسبة عيد المحاربين قبل حوالي أسبوعين عندما أكد أن »الإرهابيين« يعتبرون العراق الجبهة الأساسية للحرب ضد »البشرية«، وبالتالي فإن العراق هو الجبهة الأساسية للحرب ضد »الإرهابيين«.

لقد توقع الشعب الأميركي وأغلبية الساسة في الولايات المتحدة لا سيما الديمقراطيين وبعض الجمهوريين المعتدلين أن يعلن الرئيس بوش عن »استراتيجية الخروج من العراق« بعد أن تحول الرأي العام الأميركي إلى معارض للحرب ولكنه آثر أن يحاول مرة أخرى في إقناع الشعب الأميركي ان الولايات المتحدة الأميركية منتصرة لا محالة رغم وجود أدلة على عكس ذلك.

وأنها لن تنكص على عقبيها تحت أي ظرف. إنه الإصرار غير المفهوم أو المبرر على أن البيت الأبيض يمتلك سياسة ورؤية واضحة لإدارة الحرب الحالية من منطلق الاستراتيجية والتكتيك للتعامل مع الأوضاع في العراق.

ولكن آخر استطلاع للرأي العام الأميركي يوضح أن معظم الأميركيين يعتقدون أن الولايات المتحدة متورطة في العراق كما في فيتنام سابقاً، وأن الولايات المتحدة أصبحت عرضة للهجمات الإرهابية أكثر من ذي قبل .

وليس العكس وذلك بتأثير الأوضاع في العراق، الأمر الذي جعل المعركة حول العراق في واشنطن خلال الفترة الأخيرة تتخذ طابعاً حاداً حيث ازدادت بشكل ملحوظ الأصوات المطالبة بسحب القوات الأميركية من العراق.

والملفت للانتباه أنه في مقارنة بين الحرب في العراق وحرب فيتنام أبدى الشعب الأميركي صبراً أقل بكثير من الذي أبداه في حرب فيتنام. فقد ذكرت مجلة الشؤون الخارجية (فورن أفيرز) أن نصف الأميركيين أعربوا عن اعتقادهم بأن الحرب على العراق كانت خطأً كبيراً بعد السنة الثانية للحرب .

وقتل حوالي 1500 من الأميركيين، أما في حرب فيتنام فقد قتل أكثر من 20000 أميركي خلال سنوات عديدة قبل أن يعتبر الشعب الأميركي أن الحرب كانت خطأً.

وكان السيناتور الديمقراطي من ولاية ميتشيغان كارل ليفين قد ذكر أن العراق الذي لم يكن ساحة »للإرهاب الدولي« قبل الحرب تحول إلى مركز »للإرهاب الدولي« بسبب الحرب الأميركية على العراق.

وقد أيده في ذلك السيناتور الديمقراطي من كارولينا الشمالية جون إدوارد عندما أكد أن الفشل الأميركي في العراق قد حول العراق إلى ساحة تهديد كبيرة وحقيقية وهو لم يكن كذلك وأن الحرب على الإرهاب من الآن فصاعداً ستصبح أكثر صعوبة وتعقيداً.

لقد نجحت المقاومة العراقية في »تعريق« السياسة الداخلية للولايات المتحدة بعد أن أصبحت الحرب في العراق تهيمن على جميع مناحي الحياة السياسية في واشنطن على حساب السياسات الداخلية المهمة مثل الضرائب والضمان الاجتماعي والصحة وغيرها.

ذلك لأن صناع القرار في المؤسسات الأميركية وخاصة التشريعية منها مثقلون بالحديث عن التطورات اليومية في أرض المعركة وتداعياتها السياسية والأمنية على الولايات المتحدة ومصالحها في الخارج.

فالسيناتور الجمهوري من كارولينا الجنوبية جيم ديمنت ذكر أنه عندما يصحو في كل صباح يشعر وكأنه يحمل حجراً ضخماً من الأسمنت المسلح على ظهره طوال اليوم بسبب الأوضاع في العراق الأمر الذي أثر على برنامجه الطامح في إعادة بناء برنامج الضمان الاجتماعي وقوانين الضرائب. ويؤكد أن الحديث حول الحرب في العراق أعاق عمل المشرعين في الكونغرس الأميركي تجاه الشؤون الداخلية الضرورية.

وأن يصبح العراق الشغل الشاغل للمشرعين والسياسيين في الولايات المتحدة أمر مفهوم وواضح لأن الأوضاع في العراق أصبحت تقلق بشكل واضح الناخبين الأميركيين وتؤثر بشكل سلبي على شعبية الرئيس بوش وباقي السياسيين.

فقد أكد الخبير في شؤون الاستفتاءات السياسية في واشنطن بيتر هارت أن الرأي العام الأميركي تبنى موقفاً صارماً وغير قابل للتغيير تجاه الوضع في العراق وهو أن الإدارة الأميركية الحالية لن تتمكن من تحقيق نجاح مشرف في العراق وأن المسألة الآن تتركز في قضية جوهرية واحدة وهي كيف نتمكن من وضع خطة عملية للخروج من العراق.

إن الحديث عن تحقيق نجاح في تطور العملية السياسية في العراق مثل اعتماد دستور وإجراء انتخابات وغيرها من الأمور التي يعتبرها الرئيس بوش تقدماً نحو الأمام لم ولن تنجح في تغيير الوضع الحقيقي في العراق من انفجارات وقتل وضحايا .

وتدمير قرى ومدن وتعذيب سجناء وفساد وفوضى وتجذر للطائفية وازدياد أعداد القتلى في صفوف القوات الأميركية. كل هذا ساهم على تدهور شعبية الرئيس بوش في الولايات المتحدة والعالم أجمع .

وخلق شرخ بينه وبين الديمقراطيين بل وحتى بينه وبين الجمهوريين الذين كانوا يؤيدونه سابقاً لأنهم أدركوا أنهم سيدفعون ثمناً سياسياً باهظاً في المستقبل القريب إذا استمروا بدعمهم له، وهذا هو التطور الجديد الأبرز على الساحة الأميركية في هذه المرحلة.

إن تزايد أصوات الرفض من قبل الجمهوريين في واشنطن إضافة إلى أصوات الديمقراطيين القوية ضد الحرب في العراق لا بد لها من أن تتحول إلى جبهة منيعة ترغم الإدارة الأميركية الغارقة في أحلامها الاستعمارية للعودة إلى سياسة المنطق والعقلانية التي تقول بأن العراق لا يمكن أن يستمر تحت الاحتلال.

وأن المقاومة وليس الإرهاب لن يقبل أقل من الاستقلال التام الذي يجب أن ترسم ملامحه ومعالمه من خلال الإعلان عن استراتيجية حقيقية لخروج القوات الأميركية من العراق لأن »النصر الكامل كما يتمناه الرئيس بوش يمكن له أن يتحقق فقط في أفلام هوليوود.

isam997@hotmail.com

كاتب وباحث سياسي