محكمة شيعية ـــ كردية تباشر مهمتها تحت سطوة احتلال أجنبي.هذا هو الانطباع الذي يرتسم في ذهن أي مراقب محايد يتابع محاكمة صدام حسين والتحضيرات السابقة لها، وهكذا فان الحكم جاهز سلفا منذ أيام الحاكم الاحتلالي بول بريمر الذي تسلم تركته زلماي خليل زاده الذي يحكم في بغداد باسم سفير.

قبل نحو أسبوع من انعقاد هيئة المحكمة تكلم أحد الوزراء الأكراد في الحكومة الإقليمية الكردستانية في مقابلة صحافية وكأنه يتلو وثيقة قضائية معتمدة، فقد أعلن صراحة ان حكما بالإعدام ينتظر صدام حسين، ومن الطريف ان هذا الوزير يشغل حقيبة »شؤون حقوق الإنسان«.

لا أحد منصفا يعترض على مبدأ محاكمة عادلة لديكتاتور مثل صدام حسين، بل وحبذا لو حوكم كل الحكام الاستبداديين في العالم الثالث بأسره.. وما أكثرهم، لكن المحاكمة الجارية في بغداد مرسومة على أساس سيناريو انتقائي ثأري من وضع قادة كل من الشيعة والاكراد.

فالوزير الكردي المشار إليه استفاض في الحديث وكأنه يشير إلى هذا السيناريو المعد سلفا. فقد قال ان الرئيس السابق المتهم صدام حسين لن توجه إليه أي اتهامات يمكن ان تؤدي إلى فضح علاقة دول معينة مع نظامه تعتبر الآن دولا صديقة أو حليفة لعراق ما بعد صدام.

ورغم ان الوزير الكردي لم يسم دولاً باسمها إلا ان أي متابع للشأن العراقي على عهد الرئيس السابق لن يجد صعوبة في استذكار الولايات المتحدة على الأقل ودعمها بالمال والسلاح والمساندة الاستخباراتية لعراق صدام في حربه الطويلة ضد إيران (1980ـــ 1988).

صدام لن يواجه اذن اتهاما يتعلق بابتداره تلك الحرب حتى لا تتحرج واشنطن.

الاتهامات محصورة في اطار شيعي ـــ كردي تحت عنواني »الدجيل« و»حلبجة«.

ضحايا الدجيل ـــ نحو 148 قتيلا وفقا لصحيفة الاتهام ـــ كلهم ينتمون إلى طائفة الشيعة.. وقد أمر صدام شخصيا ـــ يقول الاتهام ـــ بإعدامهم أجمعين إثر محاولة انقلابية فاشلة.

وضحايا حلبجة كلهم أكراد كانوا ضحية أمر من صدام باستخدام أسلحة كيماوية ضد المدينة كما يقول الاتهام.ولكن بالطبع لن يتوسع الاتهام ليأتي على ذكر الشركات الأميركية التي أمدت نظام صدام بالمواد الكيماوية القاتلة في اطار تعاقدات تجارية ما كان من الممكن ان تبرم إلا بعد ضوء أخضر من الرئاسة الأميركية.

وهل يمكن ان يرد في سياق الاتهام الموسع ان الضوء الأخضر الأميركي كان احدى نتائج زيارة استراتيجية قام بها إلى بغداد في عام 1983 دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي الحالي حين كان في تلك الأيام الخوالي مبعوثا رئاسيا خاصا للرئيس رونالد ريجان؟

هذه ليست محاكمة شرعية.. وكيف تكون كذلك إذا كانت الدولة نفسها قد صودرت سيادتها الوطنية بعد ان أصبحت تحت السيطرة الكاملة لقوة احتلالية أجنبية.