ماريا هيريرا مواطنة فنزويلية اضطرتها ظروفها لترك المدينة والتوجه صوب الريف طلباً لفرصة أفضل في الحياة. تقول ماريا لمراسل البي بي سي (29 ــ 4) »إن نفط فنزويلا لن يدوم إلى الأبد، لذلك ستقوم الحكومة بمساعدتنا بتأسيس جمعيات زراعية تعاونية لنعمل يداً بيد لتطوير الزراعة فهي التي ستضمن مستقبل أبنائنا«.
والمواطنة ماريا إنما تتحدث عن إصلاح زراعي دشنه قبل مدة الرئيس هوغو شافيز الذي بات يسبب وجعاً لرأس الإدارة الأميركية. وما كاد ملاك مزارع تسمين الأبقار أو »لوردات البيف ستيك«، كما يطلق عليهم، أن يستوعبوا وضع الحكومة أيديها على أراضيهم حتى أتحفهم شافيز بمبادرة أخرى أطلق عليها »الديمقراطية في العمل«.
أي مشاركة العمال أصحاب العمل في اتخاذ كل القرارات المتعلقة بعمليات الإنتاج والتسويق والتطوير وغيرها. والمأمول من هذه الإصلاحات، التي تأتي عكس التوجهات العالمية، هو أن تكون خطوة نحو »اشتراكية القرن الحادي والعشرين«.
وشافيز هذا، البالغ من العمر إحدى وخمسين سنة، ابن لمدرس امتهن العسكرية حتى أصبح عقيداً فيها، ثم جرب حظه للاستيلاء على السلطة عنوة في انقلاب قاده في العام 1992 ضد الرئيس المنتخب كارلوس أندريس بيريز. وفشل ذلك الانقلاب وسجن قائده.
وكان شافيز قبل ذلك بعقد قد شكل تنظيماً سرياً في الجيش سماه »حركة سيمون بوليفار« نسبة إلى القائد الثوري الفنزويلي الذي ناضل من أجل استقلال أميركا اللاتينية والذي عاش في الفترة بين 1783 و1830.
ويبدو أن السجون العربية هي الوحيدة التي ما زال السياسيون يبقون فيها إلى أرذل العمر أو يقضوا بين جدرانها، هذا إن كانوا محظوظين ولم يعدموا بالحال.
أما شافيز فلم يطل به المقام في السجن، إذ خرج منه بعد سنتين ليشكل حزباً سياسياً علنياً أطلق عليه »حركة الجمهورية الخامسة«، أما هدفه فهو إقامة اشتراكية من نوع جديد.
وخاض شافيز انتخابات العام 1998 ببرنامج »شعبوي« وحقق بها نصراً كاسحاً، ثم عمد إلى طرح دستور بديل ودعا إلى انتخابات جديدة في يونيو في العام 2000 ضمن فيها الفوز.
ومنذئذٍ لم يهدأ لمعارضيه بال، خاصة حينما قام في ديسمبر من العام 2001 بإدخال جملة من الإصلاحات من بينها تأميم بعض الأراضي وأخرى متعلقة بالقطاع النفطي. فَقَدَ شافيز السلطة لمدة ثمان وأربعين ساعة في أبريل من العام 2002 ليستعيدها مظفراً بالضغط الشعبي.
ثم ليقاوم حركة احتجاجية ضخمة نظمتها المعارضة خلال العامين 2002 و2003 وليرضخ لإرادتها بإجراء استفتاء على ولايته في الخامس عشر من أغسطس من العام 2004 وليخرج ثانية مكللاً بالنصر. وها هو يستعد لخوض غمار انتخابات جديدة ستجري نهاية العام 2006.
وفنزويلا ذات السبعة والعشرين مليون نسمة الممتدة على مساحة أكثر قليلاً من 881 ألف كيلو متر مربع تمتاز بثرواتها النفطية إلي جانب معادن أخرى، فهي تنتج أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً، وتعتبر في المرتبة الخامسة من حيث التصدير عالمياً، وهي تمد الولايات المتحدة بمليون ونصف المليون برميل في اليوم.
أما معدل دخل الفرد السنوي فهو أربعة آلاف دولار تقريباً، غير أن هذا المبلغ غير موزع بالتساوي بالطبع. فحسب تقرير لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس (المنشور في النيويورك تايمز 22 ــ 11) فإن 70% من الشعب الفنزويلي يعيشون في فقر، 40% منهم في حالة فقر شديد.
ولعل سياسات شافيز النفطية هي الأكثر إثارة للولايات المتحدة ــ الظمأى أبداً للنفط ــ إذ ما أن بدأت أسعاره بالصعود حتى اتخذ مبادرة ببيع النفط بأسعار مخفضة لخمس عشرة دولة من دول البحر الكاريبي كانت مجتمعة في بيورتو لا كروز في فنزويلا في أواخر يونيو الماضي.
والمبادرة فضلاً عن ذلك – كما تذكر البي بي سي 30 ــ 6، تهدف إلى تخفيض أكثر مما كانت عليه في سعر النفط المباع إلى كوبا ودول أخرى تساعدها فنزويلا!! وأبدى شافيز شهامة مع عدوه اللدود بوش، الذي يسميه بــ»السيد الخطر« في وقت الضيق.
حينما أمد الولايات المتحدة الأميركية بالمشتقات النفطية المكررة بعد أن دمر إعصاري كاترينا وريتا مصافي النفط في ساحل خليج المكسيك. أما »دبلوماسية النفط« التي يتبعها.
كما تصفها الــ»واشنطن بوست« 22 ــ 11، فقد كانت آخر صيحاتها بيع مشتقات النفط بأسعار مخفضة إلى فقراء أميركا في الساحل الشرقي. لكن الأخطر من هذا وذاك في »دبلوماسيته النفطية« تلك تهديده بالتحول إلي التصدير للصين بدلاً من الولايات المتحدة التي تمثل وارداتها النفطية منه عشر احتياجاتها.
ومما يغيظ إدارة بوش أيضاً أن شافيز أصبح من الداعمين لحركات التحرر والأحزاب المناوئة للسلطة في كل من نيكاراغوا وبوليفيا وكولومبيا، فضلاً عن محاولته شراء التقنيات النووية من الأرجنتين وقراره بالتسلح من روسيا.
وكانت آخر جولاته مع الولايات المتحدة إفشاله للمشروع الأميركي حول منطقة التجارة الحرة بين دول أميركا اللاتينية في المؤتمر الذي عقد في الأرجنتين في منتصف الشهر الفائت حيث وصف الفكرة بأنها »ولدت ميتة«.
كما تشير الــ»كرستيان سينس مونيتور« 17 ــ 11. ولم يسلم المدافعون عن المشروع من سلاطة لسانه إذ وصف الرئيس المكسيكي فسنت فوكس »بالكلب التابع« لأميركا.
مما أدي إلى توتر في العلاقة بين البلدين وطرد سفير فنزويلا من مكسيكو سيتي.
ولا شك أن ظاهرة هوغو شافيز هي ظاهرة رفض الهيمنة الأميركية التي تعاني منها أكثر من منطقة في العالم بالذات أميركا اللاتينية.
حيث كانت وما زالت »الحديقة الخلفية« للولايات المتحدة. لكن هذه الظاهرة قائمة على »ملكات قائد« وليست على »سياسات مؤسسات تشريعية راسخة«، مما يجعلها عملاً أقرب إلى الانسياق وراء العاطفة منها إلى العمل المؤسسي الرشيد. وشتان ما بين الحالتين.
alyusefi@hotmail.com
كاتب كويتي