الآن وبعد أن انكشفت الأساليب الواهية والافتراءات التي رافقت سير التحقيق بجريمة اغتيال الحريري.. تطلق الأوساط السياسية الإعلامية اللبنانية إياها، حملة تضليل جديدة عنوانها هذه المرة: «المقابر الجماعية» وليبدأ مسلسل جديد من الاتهامات لسورية والقفز المسبق فوق الحقائق، في محاولة يائسة جديدة لاتهام سورية بما يشبه الإفك ليس إلا.

ولا بد في هذا الصدد من عرض لبعض الحقائق التاريخية المعروفة، ومنها أن الحرب الأهلية في لبنان، انخرط فيها معظم اللبنانيين ضد بعضهم بعضاً، فئوياً ومذهبياً وتنظيمياً، ووصل القتل إلى درجة الذبح على الهوية دون ذنب، وهُجرت قرى وأحرقت أرزاق، ودمرت بيوت، وتركت الجثث بعضها فوق بعض في الشوارع والحارات وتحت الأنقاض ثم دفنت على عجل ودون مراسم من هذا الفصيل أو ذاك، حيث تكاد لا تخلو منطقة لبنانية من هذه المقابر الجماعية. ‏

من جانب آخر ـ وهو معروف أيضاً للقاصي والداني ـ أن سورية أوقفت هذه الحرب القذرة، وأنها دخلت إلى لبنان من أجل ذلك، وبناء على طلب اللبنانيين والجامعة العربية.. واللبنانيون هم أدرى بمن كان له دور في القتال والحرب الأهلية، والأدرى بمن أوقف هذه الكارثة الإنسانية التي حصدت آلاف الضحايا الأبرياء. ‏

ثم إن جوقة المغرضين التي ما زالت تصرّ على ركوب موجة اتهام سورية، تتقصد تغييب العامل الإسرائيلي في الحرب الأهلية، ودور «الموساد» والسلاح الإسرائيلي الذي كان بأيدي بعض الفئات اللبنانية، ودور المنسق أوبراني الذي كان يتجول بين بيروت والجنوب ويوجه ويعطي «نصائحه».. ولنتساءل بعد ذلك.. من الذي يده نظيفة ولم تتلوث بدماء الآخر؟.. من الذي لم يكن ضمن ميليشيا معينة، ضد ميليشيا أخرى؟ أو كما يقول الإنجيل: «من منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر». ‏

لهؤلاء نقول: كفى افتراءات ومزاعم، وكفاكم إطلاق الاتهامات للآخرين والتباكي على مآسٍ صنعتموها وكنتم شركاء فيها سنوات طويلة. ‏

لهذه الجوقة الباحثة عن ثأر سياسي من سورية ومن شرائح لبنانية لا تريد الانخراط في سجال عقيم نقول: إن لبنان بحاجة إلى أن يتعافى بدلاً من نَكء الجراح، بحاجة كما سورية بالضبط، إلى أن تنكشف الحقائق، التي لا بد أن تكون رداً صريحاً على الحملة المضللة، التي تسيء للبنان قبل أن تسيء لسورية. ‏