من الطبيعي أن تحظى القمة التي تنعقد اليوم في مكة المكرمة بكل هذا الاهتمام الإسلامي والعربي والدولي، فنحن نتحدث عن قمة تمثل خمس سكان العالم، فضلاً عما يتوفر عليه هؤلاء من إمكانيات بشرية ومادية وروحية عالية لا يمكن إنكار تأثيراتها وتداعيات حراكها في عالم اليوم..
ومع ذلك فإن كل هذا الوجود الكبير والهائل يواجه مصاعب شتى تعمل هذه القمة من أجل مواجهته بكل ما تحتاجه المواجهة من جدية مطلوبة وبإلحاح شديد، خصوصاً أن بعضاً من هذه المصاعب لا تتفق مع معطيات عالم اليوم، الذي يحث الخطى وبجد نحو آفاق جديدة رحبة من التقدم والرقي..
فمعظم أنحاء العالم الإسلامي تصنف تحت قائمة الدول الأكثر تخلفاً، بكل ما يستتبعه هذا التصنيف من مشاكل جمة، ومع ذلك فإن إمكانية النهوض بهذه الجموع هي بين ظهرانينا، بل إننا كمسلمين الأكثر قابلية لاستيعاب آليات فعالة في التعاون يمكن أن تحقق النقلات المأمولة، فديننا نفسه يركز بشدة على أهمية هذا النهوض ويحث عليه، فهو دين قائم في الأصل على الارتقاء بالحياة البشرية وتجويدها، وهو في هذا المقام ينوه كثيراً بإمكانيات الإنسان باعتباره أفضل مخلوقات الله في الكون وباعتباره المسؤول عن إعمار هذه الكون فهو خليفة الله في الأرض..
ومع ذلك فإن تجاهل هذه المعاني السامية أو الانشغال عنها بأمور أخرى، عدها البعض في صلب العقيدة، وهي ليست كذلك هو ما جعل المسلمين ينصرفون عن الأسس الصحيحة الحقيقية للدين إلى ماعداها، وقد كان لكل ذلك إفرازات سلبية عديدة منها ما مسّ العقيدة ذاتها بطريقة مباشرة، حيث تعرضت من خلال عمليات التشدد والتطرف والإرهاب إلى ضربات موجعة شوهت الإسلام وجعلته يبدو على غير صورته البهية النقية..
ومن هنا فإن القمة منوط بها أعمال جليلة ومهمة وحيوية باعتبار أنها تشكل الإرادة السياسية اللازمة للخروج من حالة السلبيات التي تكبل مسيرة المسلمين نحو الاستقلال والنهوض والانكباب على الاعتماد على الذات، من خلال تخير أفضل ما هو متوفر في عالم اليوم من وسائل وطرق علمية تتفق تماماً مع نهجنا الإسلامي القويم، الذي يتناغم مع كل ما هو خير في العالم..
لقد شكل المسلمون في عصور خلت النواة الأولى للنهضة الأوروبية والغربية الحديثة، وذلك يعني أن الزخم القوي للفعل الإنساني الإيجابي يكمن في صلب هذه العقيدة، وأن استجلاء جوانب هذه الإيجابية الفاعلة يتطلب بصورة أساسية العودة إلى المنابع الصحيحة للعقيدة وأن السبيل إلى ذلك يتطلب تضافر كل القوى من فكرية وسياسية واقتصادية وعلمية، وأن ذلك لن يتحقق إلا بإرادة سياسية راشدة يمكن أن تتوفر في مثل هذا اللقاء الذي تستضيفه اليوم أشرف بقاع الأرض وأقدسها.
فما أحرى بنا أن نرتقي إلى سمو هذه المكانة وأن نسلك وفقاً لمقتضياتها التي تتمثل بصورة مبدئية في صف إسلامي متراص متمسك بأسس العقيدة الصحيحة.