يجتاح الكثير من مواقع إصدار القرار ولربما بعض المواقع الفكرية في المنطقة العربية شيءُ من القلق إن لم يكن الهلع من الصعود المتنامي للإسلام السياسي العربي وتحديداً الفوز الكبير للإخوان المسلمين في الانتخابات المصرية الأخيرة.

وكلما كلل لهذه الجماعات بعض النصر، كلما ازداد هذا القلق بقدر متصاعد، الأمر الذي بات يشكل حالة لا بد من الوقوف أمامها ودراستها مليا. وأعتقد كما يعتقد الكثير من الدارسين والمتابعين لحالة الإسلام السياسي العربي أن قدراً قد يكون مهماً من التغيير قد خضعت له هذه الجماعات خلال العقود الثلاثة الماضية.

ولربما قد يدفع هذا بالبعض للقول إن تحولاً مهماً من التغير الفكري والأيديولوجي ولربما النضج السياسي قد جاء على بعض الحركات الإسلامية العربية.

كما أن بالمقابل قدرا من التطرف والتهور كذلك قد جاء على بعضها الآخر. وقد أضيف على السابق وأقول جازما، أن جل الحركات والجماعات الإسلامية العربية لم تصل بعد لحالة الإسلام السياسي التركي.

وهي في هذا بحاجة للكثير من العمل الداخلي والفسحة الزمنية لإحداث هذا التحول الفكري في خطابها وممارساتها السياسية بل في نهجها وتعاملها مع المجتمع الذي هي جزء منه وكذا جماعاته.. بل إن أحد أكثر الحركات الإسلامية العربية قوة .

وحضورا وهي حركة الإخوان المسلمين المصرية والتي حازت في الجولات الانتخابية الثلاث الماضية في مصر المحروسة، ما يقرب من ربع أعضاء مجلس الشعب المصري لم تصل بعد إلى حالة تفكيك ونفض غبار خطابها التقليدي الذي تشكل في ظروف قد اختلفت كلياً عن وضعنا المعاصر.

والذي مازالت الأطروحات القطبية، نسبة إلى سيد قطب، تمثل المفاصل الرئيسية من فكر وممارسة الإخوان المسلمين. فهي بحاجة لإعادة فك موقفها واتجاهاتها من الآخر المختلف سياسياً ودينياً وفكرياً.

بمعنى آخر إن منطق ومقولة الحاكمية لله وإن الإسلام هو الحل والموقف من أصحاب الأديان والمذاهب الأخرى، والموقف من العلمانية والليبرالية المحلية كما هو الموقف من الولايات المتحدة الأميركية والغرب ولربما مسألة الوجود الإسرائيلي.

لم يتغير في النهج السياسي وفي مضامين الثقافة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين كما هي الجماعات الإسلامية الأخرى. بالإضافة لذلك أو بالأحرى فوق هذا وذاك فإن الطريقة التي تنظر بها جماعات الإسلام السياسي في المنطقة العربية لمسألة الديمقراطية وتداول السلطة.

وإن صناديق الاقتراع كما هي قد توصلهم إلى السلطة وصناعة القرار فإنها هي الأخرى كفيلة بإخراجهم من حلبة السلطة وصناعة القرار، فلم يصبها قدر كبير وجوهري من التغيير، الأمر الذي قد يتطلب منهم تحديدا وقبولا معلنا بمبدأ تداول السلطة والمحافظة على الطبيعة اللا- دينية للدولة، وإن الديمقراطية هي أساس الحكم وإن المواطنة أساس للعلاقة مع الناس والمجتمع.

و قد يرى بعض الليبراليين العرب ولربما العلمانيون في فوز جماعة الإخوان المسلمين في مصر كما هو في مواقع أخرى في المنطقة العربية بالكثير من المقاعد البرلمانية نذير شؤم. ورغم تفهمي لحالة الهلع التي قد تنتاب البعض من القوى والأفراد للاكتساح الكبير للإسلاميين.

إلا أنني كدارس للحقل الاجتماعي ومتابع لتفاعلاته، لا أرى فيما يحصل إلا دورة حياة....فهي كما كانت في الحقب السابقة في صالح القوميين واليساريين وهي في ذلك لم تبق لهم طويلا، فإنها هي الأخرى لن تبقى كذلك طويلاً لصالح من سيأتي بعدهم.

كما أن فوزهم هذا ـــ أي الإخوان المسلمين- إن هو إلا تعبير عن موقف رافض، لحالة الطبقة السياسية في مصر بشقيها الرسمي وفي المعارضة، وتلكؤ التنمية، والفشل في تلبية حاجات متصاعدة من الناس، أكثر منه استجابة لشعارات رفعت تفتقر لتجربة الاختبار على أرض الواقع.

إن المطلوب من حركات الإسلام السياسي وتحديدا حركة الإخوان المسلمين شيء يتجاوز التصريح الذي جاء به مرشد الحركة في مصر مؤخرا من محاولة لطمأنة أطراف خارجية وأخرى داخلية.

إن الحركة بحاجة إلى هيكلة سياسية وثقافية وتنظيمية أساسية، تنتاب الخطاب والممارسة السياسية لتنظيم الإخوان المسلمين. بمعنى أن يتسق ما يتداول في أوساط قياداتها السياسية في داخل التنظيم وخلاياها التنظيمية الأصغر مع طرحها العلني.

وأن ترتضي هذه الجماعات وبشكل قاطع لا يداخله الشك من أن وصولها لصناعة القرار والسلطة لا يعني البتة حقا مطلقا لها لإقامة الدولة الدينية، والتي بدا طرحها مثيرا للهلع والمخاوف، وذلك على خلفية ممارسات الدولة الدينية مع المختلفين معها من الفرق الدينية والجماعات السياسية الأخرى.

إن نقدا للذات قد يكون أكثر من مطلوب، كما أن المطلوب منها طمأنة الفرق الدينية والجماعات السياسية الأخرى من أن وصولها للسلطة لا يعني البتة نفيا للطبيعة اللا- دينية للدولة وإن أصحاب الفرق الإسلامية الأخرى كما هم أصحاب الفرق الدينية كالمسيحيين واليهود وأصحاب الأديان الأخرى هم مواطنون لا ذميون أو طوائف لهم ذات الحقوق المواطنية كما للآخرين..

إن حجم القبول والاعتراف الداخلي والخارجي للجماعة الإسلامية التركية الحاكمة قد جاء نتيجة لعدة شروط قد يكون أولها تخليها الطوعي عن حلم أو فكرة إقامة دولة الخلافة الإسلامية.

كما هو ثانيا إسقاطها من أجندتها مسألة أسلمة المجتمع أو الفصل بين الجنسين أو تكفير الآخر المختلف أو التضييق على الحريات الشخصية والمدنية للأفراد والجماعات أو إقصاء الآخر أو الاستفراد بالسلطة وهي الأمور التي مازالت منشغلة بها جل الحركات الإسلامية العربية..

إن تحولا فكريا وإيديولوجيا مهما قد جاء على الجماعة الإسلامية الحاكمة في تركيا. هذا التغير الذي وضع في قمة اهتماماتها تحقيق قدر كبير من التطور والنمو الاقتصادي للمجتمع التركي وفي السعي الحثيث لدخول الاتحاد الأوربي وفي نسج علاقات تحالفية استراتيجية مع الغرب والولايات المتحدة الأميركية، وفي استمرار العلاقة التقليدية التي ربطت تركيا بإسرائيل.

إن ما يعني الناس والجماعات في المنطقة العربية ليس أمر أسلمة الدولة، إنما كيف تحقق وتضمن لهم الدولة رزقهم وعيشهم. إنها معضلة لا تتحقق بالمقولات الكبرى أو بالإيديولوجيات وإنما هو أمر يتحقق بالعمل والمعرفة والتسامح والقول بالآخر والقبول بتحدي الاندماج في هذا العالم وليس الخروج منه.

إن الحصافة والرشادة السياسية تتطلب من حركات الإسلام السياسي ولربما تتطلب من أقدم وأكثر هذه الجماعات حضورا وقوة ولربما أكثرها واقعية في المنطقة العربية.

أي حركة الإخوان المسلمين، أكثر من غيرهم إعلان الطلاق البائن مع ثقافة الحركة الماضية القائمة على العنف ونفي الآخر، تتطلب كل ذلك ليس كما يقولون كخدمة شفافية أو مؤقتة.

وإنما كفكر وتوجه جديد لحالة سياسية وثقافية جديدة لا يمكن اختراقها أو العمل فيها بعقلية الماضي أو بالادعاء اللفظي أو العمل التكتيكي. إن خطوة كهذه ستكون إيذانا لمرحلة سياسية جديدة ليس للحركة الإخوانية فحسب وإنما هي كذلك لعموم ما قد يسميه البعض بالاعتدال الإسلامي.

إن تحولاً كهذا قد يقابل بالرفض من قبل جماعات التشدد في الإسلام السياسي، وهو يعبر عن عدم القدرة على تبني الجديد والركون للقديم من الفكر والممارسة.فهل سيكون فوز الإخوان المسلمين بربع مقاعد مجلس الشعب المصري إيذانا بفكر وثقافة وممارسة جديدة للإسلام السياسي العربي، تتجاوز الماضي الخاص والعام بكل أشكاله وممارساته.

أو إن العقل والواقعية لم تداخل ثقافتنا وممارساتنا السياسية بعد، وإن التوق أو النكوص للماضي بكل أطروحاته وخبراته وممارساته تبدو أسهل الحلول لدينا. إن القول أو الركون للماضي لن يجدنا والأجيال القادمة نفعا، بل سيركننا في أقبية من ظلام في زمن قادم.

كاتب بحريني