لم أتوقع ان يحصد الأخوان المسلمون هذا العدد الكبير في الانتخابات النيابية في مصر، لأن القوة كلها بيد الحزب الوطني الحاكم، البيروقراطية، الأمن، آليات الحكم كلها والرئاسة، بكل قوتها السياسية والمعنوية، فضلاً عن تاريخها الطويل.

لكن الأخوان فازوا بأكثر مما تتوقع قيادتهم،.

وأصبحوا القوة السياسية الثانية في البرلمان بقاعدة جماهيرية ضخمة، وبهذا الفوز استطاعوا التغلغل داخل البنية السياسية والاجتماعية والدينية بشكل غير مسبوق وبصورة بدلت المعادلة التي ألتزمت بها مصر طوال تاريخها الحديث.

كيف يحصد الأخوان هذا العدد؟ سيظل السؤال يثير المحللين المصريين وغيرهم، ويثير قلق الكثير منهم، ويسعد عدداً آخر، غير ان الإجماع العام يشير إلى تصاعد القلق القبطي، وإلى حيرة الحزب الحاكم.

وإلى انحسار أحزاب المعارضة الأخرى التي حصلت بمجموعها على 3% من الأصوات، بينما حصل الأخوان على 22% من المقاعد مما يجعلهم القوة السياسية الوحيدة في الشارع المصري.وفي هذا الصدد أود إبداء الملاحظات التالية:

أولاً: وظف الأخوان وبصورة جيدة جداً تاريخهم الطويل مع الاضطهاد الرسمي وحياة السجون والتنكيل التي عاشوها، ورسموا لأنفسهم لوحة الملاحقين من السلطات منذ الأربعينات ثم الاضطهاد الناصري.

وجندوا ما يملكون من قوة ومال وتأثير واتصالات لاستخراج استحقاق منصف بعد الملاحقة التي عاشوها، ونجحوا في الحصول على دعم شعبي واسع، ينفي عنهم التهم التي ألصقتها بهم الأنظمة السابقة بما فيها أبرز خصومهم العهد الناصري.

ثانياً: حشد الأخوان كل قواهم الجماهيرية وقواعدهم المؤيدة من أجل تقديم صورة إخوانية مسلمة بريئة من تهم الماضي، وتسعي لتخليص البلد من الفساد ومن الشللية المتحكمة ومن احتكار السلطة.

وتقديم صورة عن الأخوان وكأنهم المدافعون عن حقوق البؤساء المنسيين، والفقراء المعدمين، وهم أنصار المستضعفين والمهملين، وأنهم صوت من لا صوت له، ونصير من لا يملك نصيراً، ومحامٍ لمن لا يملك البحث عن حقوقه.

ثالثاً: استفاد الأخوان من شبكة واسعة أفادتهم في تقديم الخدمات الإنسانية والاجتماعية واحتضان المعوزين، وتأمين مساعدتهم، ورعاية الباحثين عن الدراسة وتبني الطلاب وتوفير برامج التأهيل، وشيدوا مؤسسة دينية إسلامية، تحث على الأخلاق والإنتاج والترفع عن الفساد وتسخير الثروة لخدمة الدين والوطن.

ونجح الأخوان في ضم كفاءات مهنية عالية في جميع مسارات الحياة، من فنيين وأطباء ومحامين ورجال إعلام، وقدموا ثقافة العفة والترفع، مع إصرار عجيب على تقبل السجون والتفاعل مع الأذى والتناغم مع حياة البسطاء، رغم الإمكانيات المهنية التي يتقنها زعماء وكوادر الأخوان.

كل هذه العوامل ساعدت قيادة الأخوان في رسم استراتيجية تقوم على المبادرة والمقاومة وآخذ السبق من أيادي كوادر الحزب الحاكم، مع إبراز الحركة كهيئة سياسية محظورة لم تحصل على ترخيص وتتعرض إلى مناكفات ومضايقات أمنية وإعلامية وسياسية.

وقد لفت نظري تردد الرئيس حسني مبارك في الدخول بقوة في الحملة الإنتخابية لصالح مرشحي الحزب الوطني، ويمكن أراد الرئيس ان يبقى بعيداً أو حيادياً تجاه ما يدور.

ولعلنا نتذكر دائماً بأن الرئيس حسني مبارك هو الضمان الوحيد لدبلوماسية العقل والبناء التي شيدها منذ ان تولى الرئاسة، وأخرج مصر من أيديولوجيات الشعارات العقيمة .

وجنبها المفاجآت الصدامية وأسهم في فتح أجوائها الداخلية، لكن أهم إنجازاته هي قدرته على استعادة ثقة الدول العربية لاسيما الجزيرة والخليج في السلوك المصري.

وبصراحة وجود الرئيس في سدة الحكم في مصر هو ضمان لاستمرار السياسة العاقلة وتكريس للمصالح المصرية ــ العربية المتبادلة لاسيما مع دول مجلس التعاون في الاستثمارات وفي العمالة المصرية، وفي مختلف مسارات التعاون.

ومع ذلك فإن كوادر الحزب الوطني خسرت لأن الشعب سأم من الأداء البطيء والتقليدي واقتنع بأن الأزمة الحالية التي يعيشها في الاختناق السكاني واتساع الفقر وتغلغل الإحباط لن يجرؤ النهج التقليدي للحزب على التعامل معها بقوة ووضوح.

ستدخل مصر الآن فصلاً حديثاً مختلفاً عن الماضي من أهم مظاهره الانكفاء القبطي الذي سيضر مصر كثيراً.يقول الدكتور عصام العريان ــ أبرز زعماء الأخوان المتردد بكثرة على السجون ــ في مقال نشر في جريدة الحياة يوم الأربعاء الثلاثين من الشهر الماضي:

»تأخر الإصلاح في مصر طويلاً وعندما بدت بشائره في الأفق غمر البعض قلق، وملأت نفوسهم مخاوف مشروعة ومفهومة أسبابها، إلا أنها في نظري يجب ألا تعوق انطلاق مسيرة الإصلاح من أجل استكمالها، وأعتقد أنها ستبدد مثل السحاب عندما تشرق الشمس، شمس الحرية والإصلاح«.

معنى هذا المقال بأن الاتجاه الأخواني هو التعامل بالتدرج مع الأحداث وفق المنظور التركي الذي يعمل الأخوان على اقتباسه في مصر، غير ان الاختلاف بين البيئتين كبير جداً، وربما أكثر قضية تواجه الأخوان هو ما جاء في حديث نشره محمد محمود من القاهرة، في صحيفة الحياة يوم الأربعاء الماضي.

حيث يقول المفكر القبطي البارز الدكتور ميلاد حنا الذي ناضل لعقود من أجل دعم الوحدة الوطنية في مصر يرفض أن يكون طرفاً في حوار مع الأخوان، فلا مجال للحوار حول حكم الأخوان، كلنا ضد حكمهم لمصر، سأحارب الدولة الدينية مع كل الأقباط والمصريين كي لا أكون مواطناً من الدرجة الثانية.

موقف وشكوك ومخاوف الأقباط المشروعة هي أكبر حالة امتعاض ومعارضة أمام الأخوان واذا كان الأخوان ضحية المخابرات أيام عهد ناصر، فإن الاقباط تحملوا الكثير من سلوك نظامه، فبعد العزل السياسي حدث التأميم .

والاختناق الاقتصادي، وأكبر معضلة في حالة الأخوان الآن هي مسؤوليات المواطنة وحقوقها وعدم تعرضها للاهتزاز حول الانتماء الديني واعتبار غير المسلمين أقليات وأهل ذمة، يجب ان تدفع الجزية مع عدم الالتحاق بالجيش.

بعد التاريخ المضيء لمصر والمملوء بكنوز الفكر المستنير والعطاء الجماعي المؤسس على مبادىء المواطنة، لابد ان تدخل مصر مرحلة التحاور المتكافىء لبناء دولة عصرية لا تتأثر بالطوائف والديانات.

ومن حق الأقباط ان يقلقوا وعلى الأخوان تبني النهج المتعارف عليه عالمياً في ترسيخ المساواة والوحدة ونبذ الإقصاء، ويبقى السؤال لماذا توجهت مصر نحو الأخوان؟هناك شيء ما في عروق مصر لابد من تشخيصه والتعامل بحزم مع إفرازاته..

٭ رئيس المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية ــ الكويت