إذا كان آرييل شارون هو الذي أشرف، بوصفه وزير الحرب الإسرائيلي في صيف عام 1982 على ذبح ما بين ألف وثلاثة آلاف من المدنيين الفلسطنيين في مخيمي صبرا وشاتيلا قرب بيروت فإن تنظيماً سياسياً لبنانياً مسلحاً هو الذي تولى دور التنفيذ المباشر.

الآن تنشط الأجهزة الأمنية اللبنانية التي يقوم على تسييرها عناصر عليا من الاستخبارات الأميركية من وراء ستار لانتقاء مقابر جماعية محددة من أجل نبشها في سياق حملة لإدانة الوجود الاستخباراتي والعسكري السوري في لبنان الذي طويت صفحته قبل بضعة شهور.

وبينما تستحق الأجهزة الأمنية اللبنانية الإشادة على همتها وغيرتها الوطنية في هذا الاتجاه فإن قبور ضحايا صبرا وشاتيلا لا تحتاج لعملية نبش من أجل التحري في مذبحة الثمانينات (التي كان عدد النساء والأطفال فيها يربو على عدد الرجال) لأن مرتكبي الجريمة معروفون وأغلبهم لا يزالون على قيد الحياة.

في وقتها هزت جريمة صبرا وشاتيلا العالم محدثة ضجة دولية اضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى إجراء تحقيق مع وزير الدفاع شارون انتهى إلى إدانته وتوبيخه وإعفائه من منصبه، لكن الحكومات المتعاقبة في بيروت منذ ذلك الحين وحتى اليوم أدارت ظهرها للجريمة ومرتكبيها من اللبنانيين.

قيادات الأجهزة الأمنية اللبنانية منشغلة اليوم ومنذ أن حل عهد لبناني جديد بعد (ثورة الأرز) إيذاناً بالعودة الكاملة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والموساد الإسرائيلي للتحكم في تسيير هذه الأجهزة بنبش الماضي السوري القريب في سياق الحملة التشهيرية الأميركية ضد دمشق.

وبعد أن أدت أقوال الشاهد »المقنع« إلى نسف مهمة المحقق الدولي ميليس من أساسها يبدو أن الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية قررتا فتح ملف آخر: نبش قبور جماعية قديمة تمهيداً لدمغ مرحلة الوجود السوري بعمليات قتل جماعي لكن الاستخبارات الأميركية (ومعها الموساد) تلعب بالنار..

فهي تفتح ملفا لن تستطيع إغلاقه. فعمليات القتل الجماعي في لبنان ـــ كما تدرك أجيال من اللبنانيين ـــ لم تكن ممارسة تقتصر على طرف واحد.. داخلي أو خارجي.كانت الحرب الأهلية اللبنانية مسلسلاً دموياً طويلاً للقتل على الهوية الطائفية.

وإذا فتح الملف فإن الإدانات المتبادلة لن تكون لها نهاية. وربما يكون هذا ما ترمي إليه واشنطن: حلول عهد فوضى من جديد بانهيار القانون والنظام حتى يعود لبنان إلى سابق عهده كأرض مستباحة تماماً لإسرائيل.

التآمرات الأميركية الإسرائيلية على سوريا ستتواصل دون شك ولكن هل تدرك واشنطن تماماً أن الوجود السوري في لبنان لم يكن مجرد وجود عسكري واستخباراتي؟.

فلدمشق حلفاؤها في كافة قطاعات الحياة في لبنان.ومع تصعيد تآمرها على سوريا فإن واشنطن تخاطر بأن نهجها الاستفزازي قد يؤدي إلى تفجر شعبي لبناني ضد الولايات المتحدة.