تحاول الولايات المتحدة تبرئة نفسها من إقامة السجون السوداء في بعض الدول الأوروبية والشرق الأوسط للتحقيق مع مشبوهين بتهم إرهابية، بعيدا عن أنظار القضاء الأميركي.
وجندت واشنطن لهذه الغاية وزيرة خارجيتها كونداليزا رايس لإقناع العالم بعدم وجود هذه السجون، وأن كل ما قيل في هذا المجال يدخل في إطار الحملة المضادة للولايات المتحدة التي يقودها المعارضون للحرب على الإرهاب والحرب على العراق.
واستطاعت رايس والإعلام الأميركي المرتبط بالبيت الأبيض التأثير إلى حد ما على مجريات التحقيقات التي بدأتها بعض الدول الأوروبية للملمة الموضوع والتوقف عند هذا الحد من الفضائح التي باتت تطال المؤسسة الاستخباراتية الأولى في العالم، وأبلغت السيدة رايس من التقهم من الأوروبيين بعدم وجود هذه السجون على الأراضي الأوروبية.
لم يكن الإقناع الأميركي للمسؤولين الأوروبيين بالمسألة الصعبة حيث إن الكثير من هؤلاء القادة على علاقة متينة بواشنطن لا بل إن قواتاً من هذه الدول تساهم بصورة مباشرة في احتلال العراق، و"ضبط الأمن" في أفغانستان ولا تتوانى عن إرسال المزيد إذا ما طلبت الإدارة الأميركية ذلك.
إن الرأي العام الأوروبي الذي طالما تغنى بديمقراطيته وبمقدرته على كشف الحقائق دون مواربة مطلوب منه الرد على المحاولات الأميركية هذه بالمزيد من إدراج الحقائق، كما أن على الرأي العام الأميركي عدم السكوت عما اقترفته إدارته باسمه في العالم، وهو يعي أن تلك المؤسسة المناط بها الحفاظ على أمنه تستخدم طائرات خاصة على حساب المكلف الأميركي بالتحقيق مع أشخاص خارج الأراضي الأميركية، بالرغم من أنهم موجودون على أراضيها.
إن المناورة التي تقوم بها رايس مع الأوروبيين لم تعد ذات نفع بعد أن فاحت رائحة انتشار السجون السوداء في كل مكان، وعلى السيدة رايس بدل ذلك العمل على إقفال تلك السجون ومحاكمة المتهمين والمشبوهين أمام القضاء الأميركي أو تسليمهم إلى دولهم لمحاكمتهم.