إذا كانت الإدارة الأميركية لا ترى بأسا في الكذب على شعبها، فكيف يمكن ان تستشعر أي حد أدنى من الحرج في الكذب على العرب والعالم؟
في هذا السياق يأتي الكشف عن ان الجيش الأميركي يدفع سراً أموالاً لصحف عراقية نظير مقالات دعائية الطابع مؤيدة للولايات المتحدة، وتسلم إلى هذه الصحف مترجمة وجاهزة للنشر الطازج ليكون أحدث حلقة في مسلسل من المغامرات الإعلامية الخاسرة أبرزها إذاعة »سوا« وفضائية »الحرة«.
مع ذلك تستحق إدارة الرئيس بوش شكراً في تحقيق مساواة من نوع ما بين الشعب الأميركي والشعوب العربية من حيث تعاملها السياسي ـ الدعائي في الحالتين. فالكذب المنظم كسياسة معتمدة رسمياً صار أسلوب التعامل الأوحد للإدارة على الصعيدين الداخلي والخارجي معاً.
وبينما اعتمدت إدارة بوش كذبة أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة مبرراً شرعياً لشن حرب شاملة على العراق، فان خطة التضليل الإعلامي المنظم للشعوب العربية وشعوب العالم بدأ تنفيذها منذ اللحظة الأولى لعملية الغزو.
فقد ابتكر وزير الدفاع دونالد رامسفيلد بدعة »المراسلين المرافقين« .. وهم مجموعة صحافيين يلحقون بوحدات القوات البرية الغازية فيعدون قصصاً إخبارية ـ صوتية أو مصورة أو مكتوبة ـ تخضع لمراجعة قائد الوحدة قبل ان ترسل.
بالطبع لم يستطع رامسفيلد منع مراسلي المؤسسات الإعلامية التي قررت ممارسة عملها باستقلالية كاملة عن رامسفيلد ووزارة دفاعه وقواته لكنها لاحقاً دفعت ثمنا باهظا تراوح مابين مضايقات فنية إلى اغتيالات دموية.
لكن هناك مؤسسات اعلامية لم ترتدع .. ومن هنا جاءت فكرة قصف »الجزيرة« التي يبدو ان رامسفيلد اقنع بها رئيسه قبل ان يدخل توني بلير على الخط.دونالد رامسفيلد ليس خبيراً إعلامياً لكنه يعتبر نفسه كذلك فيما يبدو. وهذا مما يفسر لنا لماذا تفشل ابتكاراته ومغامراته الإعلامية الواحدة تلو الأخرى.
فشلت فكرة إذاعة »سوا« التي تخاطب قطاعات الشباب المراهقين العرب لاجتذابهم إلى مادة إخبارية مطبوخة عن طريق أغاني »البوب«، والنتيجة هي ان الشباب يستمعون إلى الأغاني حتى إذا حل وقت النشرة الإخبارية يتحولون بالمؤشر إلى إذاعة أخرى.
وفشل مشروع فضائية »الحرة« في سياق منافسة تلفزيونية تتفرد فيها قناة »الجزيرة«. وبالمقارنة فان جمهور المشاهدين العرب الذين يتابعون المادة البرامجية السياسية انصرفوا تدريجيا عن »الحرة« بعد ان اقتنعوا ان الاسم ليس متطابقاً مع الحقيقة.
الآن تأتي الأخبار بشأن الأموال التي درجت وزارة رامسفيلد على دفعها سرا لصحفية عراقية لنشر مقالات مطبوخة في »مكتب التضليل الإعلامي« (نعم اسمه الرسمي هكذا) التابع لوزارة الدفاع.لكن هذا الخبر ناقص .. لأنه لا يأتي على ذكر الأقلام العربية المستأجرة في وسائل إعلام عربية متنوعة.
ولا أدري ان كان رامسفيلد يرى ان هذا أيضاً مشروع فاشل .. فأصحاب الأقلام والحناجر المستأجرة لا يحظون بأي قدر من الاحترام بين جمهور عربي يتميز بمستوى عال من الوعي السياسي.