كان لقاء القاهرة بين بعض الأطراف العراقية في الحكم والمعارضة بمبادرة من الجامعة العربية خطوة طيبة بكل المعاني.أليس فاجعاً أن هذا الكيان الذي توحد قبل مئات السنين ومثل أحد أهم رموز الحضارة العربية الإسلامية يجد أبناؤه أنفسهم عاجزين عن الاجتماع في وطنهم ؟!
أياً يكن الأمر فإن التلاقي والتحاور وحتى الخلاف وتباين الرؤى أمر طبيعي وطيب.فقد أدى الاستبداد إلى نفي السياسية، والسياسة كما يرى أرسطو بحق لا تجتمع والاستبداد فكل منهما نفي للآخر »ضدان لايجتمعان«.
لا يمكن تجريم الاحتلال الانغلو أميركي بدون قراءة مقدماته التي من أهمها الاستبداد الذي جلب الشرور والويلات بما فيها الاحتلال. كما لا يمكن التعلل بالاستبداد إياه لغض الطرف عن جريمة العصر احتلال وتدمير انجازات حضارية وتاريخية تمتد لآلاف السنين، وشن حرب إبادة وجرائم ضد الإنسانية في العراق.
هناك قول شهير للفقهاء لا يمكن تطهير النجاسة بنجاسة، فالاستبداد نجس كله. كما ان الاحتلال ـــ أم الجرائم ـــ لا يمكن تبريره بالاستبداد. بل ان الثنائية بينهما خطأ في التفكير وعمى في الرؤية، فهما وجهان لعملة واحدة، فالاستعمار الداخلي كالاستعمار الخارجي شر كله وكارثة.
وليس من المفيد ان يتمترس ضحايا الجلاد »القومي« خلف الاحتلال بالقدر الذي لا يجدي التبرير للاستبداد المحلي بجرائم الاحتلال، فالجريمة هي الجريمة والقتل، وقديماً قال أبو الأحرار اليمنيين: الشاعر الزبيري »والموت من مدفع حر نقول له موتاً وإن أوهمونا انه عرس«.
كان لقاء »الإخوة الأعداء« ساخنا ولكن عبر الكلمات القاسية والمتباينة. وعبر إعلان كل طرف عما يعتقده ويراه يمكن »للفرقاء« تحديد مسافة الاختلاف ونقاط الالتقاء.
ولعل اهم انجاز حققه العراقيون القبول بالتلاقي والتحاور والتوافق على أجندة معينة كالتميز بين المقاومة والإرهاب. وهنا كم نتمنى على الأحزاب كلها وبالأخص ذات المنحى السني أن تدين وباستمرار إرهاب الذئاب البشرية من أتباع الزرقاوي الوالغين في الدم العراقي.
كما ينبغي أيضا ان يتحمل الحاكمون والأحزاب والمليشيات الشيعية إدانة الاغتيالات السياسية للمعارضة، والكف عن الاعتقالات الكيفية والتعذيب في السجون والنأي بأنفسهم عن أجندة المحتل ونواياه المدمرة.
ان إدانة الإرهاب بمختلف أشكاله وصوره وتجريم وإدانة سفك دم العراقيين بمختلف مللهم ونحلهم وأعراقهم وثنياتهم هو الحرف الأول في أبجدية بناء العراق الجديد الديمقراطي وقبله إعادة الثقة بين العراقيين الذين مزقهم الاستبداد والاحتلال، ويدمرهم الإرهاب والعنف.
لقد بدأت بوادر انبثاق أمل جديد في التوافق على الذهاب لصناديق الاقتراع،
وإقرار مختلف الأطراف بجلاء الاحتلال، وتحديد موعد ومواعيد زمنية لخروجه متزامنا مع بناء الثقة وإعادة بناء أجهزة الدولة الحديثة والديمقراطية.
إن مؤتمر القاهرة قد فتح نافذة للضوء في بلاد الرافدين. وأكد إمكانية انتصار إرادة العراقيين بفتح أبواب الحوار وامتلاك الشجاعة والمقدرة على إدانة ماضي الحكم الدموي والدكتاتوري.
واستحالة استبداله بمحتل لا همّ له إلا تدمير وحدة العراق، ونهب ثرواته، وتحويله إلى مصدر تهديد لإخوانه وجواره، بل ونفسه. وحقاً فإن تغليب منطق الحوار ورفض الإرهاب والتوافق على العيش المشترك والاحتكام إلى خيار الديمقراطية واحترام حقوق الأقليات والإنسان.
والابتعاد عن النزعات الطوائفية الظلامية أو الاستعلاء الديني والعصبيات الشوفينية، وامتلاك الوطنية والحقيقة كلها تساعد على الخلاص من الاستناد إلى الأجنبي الذي لا يهمه إلا مصالحه الاستعمارية وحماية حليفه الاستراتيجي في المنطقة ـــ إسرائيل.
كاتب يمني