كانت الساعة تقترب من التاسعة مساء وقد بدأ الليل يرخي سدوله على المدينة التي لا تهدأ، وكانت الطائرة تشق عباءة الليل وهي ترتفع شيئاً فشيئاً لتبدو تحتها أضواء تلك المدينة التي أصبحت مهوى أفئدة الجميع، يأتونها من كل أصقاع الدنيا، ومن لم يأتها يظل حالماً بها.

نظر صاحبنا من خلال نافذة الطائرة الآخذة في الارتفاع فأطل على خور المدينة الذي ولد ونشأ على احدى ضفتيه فتسمرت عيناه على تلك الذراع المائية التي سلبت لبه إلى الدرجة التي لم يستطع معها ان يرفع عينيه عنها.

كانت الأضواء حول الخور الممتد من الخليج ترسمه بخطوطه المتعرجة التي حفظها صاحبنا عن ظهر قلب منذ نعومة أظفاره، تحتضن خاصرته المكتبة العامة التي كثيراً ما تردد عليها واستعار منها كتباً كونت معارفه الأولى.

وهو لم يزل بعد طفلاً يكتشف سرّ الحرف وسحره وينبهر به ثم يعشقه. ينأى عن اللحظة التي يقبض عليها قليلاً ثم يهتف في سره: ترى كم من المعالم التي كانت تشكل الصورة اختفى وكم منها باق الآن؟

كان على وشك ان يبدأ رحلة طويلة في الذاكرة عندما أضاء سماء المدينة تحته انطلاق مجموعة من الألعاب النارية التي انعكست على مياه الخور مشَكِّلة دوائر وأشكالاً هندسية مختلفة متعددة الألوان.

نظر في الصحيفة التي أخذه منها المنظر الرائع تحته فإذا بالتاريخ المدون عليها يعيده إلى النقطة الفاصلة في حياته وحياة هذا البلد الذي يفخر بالانتماء إليه: الثاني من ديسمبر. أيّ دلالة لهذا التاريخ في نفسه، وكيف يمكن ان يبدأ يوم يحمل تاريخ الثاني من ديسمبر؟

أتراه يكون يوماً عادياً كبقية أيام السنة أم يكون مختلفاً؟

أي حفاوة يستقبل بها هذا اليوم وهو خير من يجيد فنّ الاحتفاء بالأيام الخالدة التي لا تتكرر في حياة البشر حتى لو تشابهت؟

أكثر من ثلاثة عقود من الزمن مرت عليه وهو يستقبل أياماً شبيهة تحمل التاريخ نفسه، فما الذي كان يتغير في كل مرة؟

يحاول ان يتذكر بعضاً منها ليعقد المقارنة الأصعب في حياته فيغرق في بحر من الذكريات عميق يحتاج إلى نوع من المهارة لا ينقصه. هو لا ينكر أنه لا يجيد شيئاً أكثر من فن السباحة في بحور الذكريات هذه.

لكن الإبحار هذه المرة مختلف لأنه يثير أشجاناً لا قدرة له على احتمالها. أشجان تعيده إلى البدايات التي طالما هام عشقاً بها، فما الذي يدعو إلى الشجن إذن وهو يمارس الهواية الأحب إلى نفسه والأحلى؟!

انه ذلك الإحساس بحياة تأبى إلاّ ان تكون جزءاً من مسيرة وطن عشت بداياته ورأيته يتخلق أمام عينيك ليولد كبيراً كما شاء له أهله، فأيّ عبء كبير ذاك الذي يلقي بنفسه على كاهلك وأنت الذي طالما حاولت ان تنأى بنفسك عن مظنة الغرور الذي لا تكره في الحياة شيئاً أكثر منه؟

ترى من الذي يعطي البشر حق امتلاك وطن.. ومن الذي يستطيع انتزاع هذا الحق منهم؟ أتُراها تلك الأوراق الثبوتية الممهورة بختم الدولة أم ثمة شيء آخر أكبر من هذه الأوراق وأكثر عمقاً وأشد التصاقاً بالأرض؟

تتزاحم الأسئلة في رأسه لكنها لا تستطيع ان تطيح بالفكرة التي كانت توغل في السيطرة عليه منذ ان وقعت عيناه على التاريخ المدون في رأس صفحات الصحيفة التي بدأ يومه بها: الثاني من ديسمبر.

كانت رائحة الأرض طاغية هذا الصباح رغم كل الروائح الأخرى التي كانت تعبق في البيت، وكان كلما أوغل في الإبحار ميمماً شطر الماضي امتلأت رئتاه برائحة الأرض التي وُلد ونشأ وتربى عليها.ما الذي يعنيه أن تولد على أرض فتعش رائحتها إلى الدرجة التي لا تتصور أن تكون لك معشوقة غيرها؟

إنه الانتماء الحق للوطن، ولهذا الانتماء حقوق وواجبات على كل مواطن أن يؤديها، فهل تراه أدى هذه الحقوق والواجبات على الوجه الأكمل دون ان ينتظر مقابلاً أم تراه لحق بركب أولئك الذين يعطون بيد وينتظرون أن يأخذوا باليد الأخرى؟

كلما ألح عليه سؤال كهذا شعر بالإهانة وسارع إلى إبعاده عن خاطره، فمتى كان الوطن ينتظر منا أن نمد أيدينا كي نأخذ منه وهو الذي طالما أعطانا دون أن نسأله؟! ألم يعطنا شرف الانتماء إليه؟ وأي شرف أسمى من شرف الانتماء إلى وطن يتسابق أبناؤه إلى حبه ويتنافسون فيه، ويتمنى الجميع الانتماء إليه!

يتذكر مواضيع الإنشاء التي كان يطلبها منهم المدرسون صغاراً كلما حلت المناسبة، فيعجب لهؤلاء الذين يطلبون من أطفال صغار ان يعبروا عن حبهم لأوطانهم وهو الذي لا يستطيع بعد كل سنوات العمر هذه أن يعبر عن هذا الحب رغم تراكم الخبرة التي يدعي أنه قد اكتسبها وناصية القلم التي يزعم أنه امتلكها.

يستدعي الكثير من المواقف التي مر بها على مدى سنوات العمر الذي يسميه مرة جميلاً ويسخط عليه مرات، فيعجب من قدرته على اجتياز كل الاختبارات التي تعرض لها ووضعت حبه للوطن على المحك فلم يسقط في امتحان واحد منها على كثرتها.

هو لا ينكر أن المغريات كانت كبيرة لكنها لم تكن بوزن حبة رمل واحدة من تراب الوطن الذي تمرغ فيه صغيراً وسار واثق الخطوة مرفوع الرأس عليه كبيراً.

هو كلما حاول أن يحدث أبناءه عن الوطن كي يغرس في نفوسهم حبه حار من أين يبدأ، وأين ينتهي، ثم تراجع عن محاولته تلك، فمتى كان حب الوطن موعظة تلقى أو درساً يمكن ان يقابل بالامتعاض فتهوي كل جداول الضرب والقسمة والجمع والطرح معه إلى وادٍ سحيق لا قرار له. أو ليس حب الوطن من الإيمان؟ والإيمان ما وقر في القلوب وأقامت على صدقه بالبرهان الأعمال.

هو لا يختلف مع أحد على أن عجلة الزمن تدور وقطاره يمضي غير آبه بأولئك الذين يتخلفون عن ركوبه، ولا أولئك الذين يترجلون منه في بعض المحطات. لكن أحداً لا يختلف معه أيضاً على ان الزمن كله يتوقف عند بعض المحطات.

ولعل الثاني من ديسمبر واحدة من تلك المحطات التي لا يمكن للزمن إلا أن يتوقف عندها لأنه يوم تغير فيه وجه التاريخ والوطن، وسيبقى خالداً في وجدان أبناء الإمارات درة في جبين الزمن.

٭ كاتب إماراتي

aliobaid2000@hotmail.com