قضية، أو بالأحرى فضيحة، السجون السرية الأميركية، المزروعة في الخارج؛ فاحت رائحتها. اللفلفة التي تعتمدها إدارة الرئيس بوش بخصوصها، لم تعد تجدي. ولا اللغة الضبابية الملتبسة، ناهيك عن النفي الملتوي؛ قادرة على صرف النظر عن هذا الملف.
فهو أمر غير مقبول مهما برعت الاجتهادات في محاولة تسويقه، حتى أقرب حلفاء واشنطن أعربوا صراحة عن ضيقهم من هذا الأمر، وبعضهم هدد باتخاذ إجراءات تأديبية، بل عقابية، بحق البلدان التي تقبل أن تكون مقراً لمثل هذه السجون!
لقد انفجرت هذه القضية منذ فترة، حين ذكرت تقارير أن وكالة الاستخبارات المركزية الـــ »سي.آي.إيه« اقامت مراكز سرية.
في بلدان وجزر آسيوية، لاعتقال »مشتبه بهم كإرهابيين«؛ والاحتفاظ بهم في تلك السجون، من دون محاكمة أطول مدة ممكنة، وقد حصل ذلك في أعقاب الاعتراضات التي ازدادت حول معتقلي سجن غوانتانامو الأميركي في كوبا؛ فضلاً عن تدخل المحاكم الأميركية التي أكدت حق المعتقلين بالدفاع عن أنفسهم أمام القضاء.
والمعروف أن ادارة الرئيس بوش دأبت، منذ البداية، على اعتبار هؤلاء بمثابة محاربين خارجين على القانون، لا يخضعون للقواعد المعمول بها في الحروب، تجاه الأسرى. الادارة تجاهلت القصة، علّها تسقط في النسيان.
أو تركها لتبدو وكأنها مجرد إشاعة، لكن في نوفمبر الماضي عادت الأضواء من جديد إلى الموضوع عندما كشفت جريدة »واشنطن بوست« أن الــ »سي آي إيه« تشرف وتدير شبكة من السجون السرية، وذلك منذ أواخر عام 2001؛ في اعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
وقالت الصحيفة يومذاك إن نزلاء هذه المعتقلات هم »من الإرهابيين المشتبه بهم« والذين يجري نقلهم بين هذه السجون، وذكرت عدة بلدان من بينها رومانيا وبولندا وغيرهما.
ازداد الارتياب عندما انكشف قبل أياأمر طائرات تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، تردد أنها حطت في مطارات أوروبية من دون أذونات. الأمر الذي نقل الموضوع من الظن إلى حدود اليقين.
دول الاتحاد الأوروبي جددت اعتراضها، بل تهديدها، بمنع أي بلد في الاتحاد من حق التصويت؛ إذا وافق على استضافة سجون من هذا النوع، حتى وزير خارجية بريطانيا جاك سترو طالب بتوضيح من جانب واشنطن؛ في هذا الصدد.
الوزيرة كوندوليزا رايس التي تبدأ زيارة أوروبية يوم الاثنين، وعدت بتقديم »إجابة شاملة« في هذا الخصوص. جوابها، حسب البيت الأبيض، سيقوم على »طلب التعاون من الأوروبيين؛ على أرضية أن الجميع مهدّد بالإرهاب«.
المعنى المضمر في ذلك هو مطالبة الأوروبيين »ببلع« هذا الموضوع وتمييعه بعد تدوير زواياه!هذه السجون تشكل مخالفة مثلثة: هي سرية وفيها مساجين من دون محاكم، ويقال انهم يتعرضون للتعذيب. وحده إقفال هذه السجون يعيد الأمور إلى نصابها.