ثمة مثل شعبي كوبي مأثور يقول: إذا أردت ان تتبلل مرتين فما عليك إلا الوقوف تحت شجرة أثناء هطول المطر، ذلك ان حبات الماء تتجمع لتنصب أضعافاً مضاعفة دفعة واحدة مشكلة حالة من الغرق، وبعد ان تجمعت جميع العناصر والمناخات اللازمة لإحداث اختراق جديد على جبهة النزاع الإسرائيلي ـ العربي.

لانخال ان المشهد اللبناني ـ السوري سيتوقف عند حدود الكشف عن حقيقة وملابسات جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني، الأسبق رفيق الحريري. فبغض النظر عن الجهة الداعية إلى التمديد للجنة التحقيق الدولية في الجريمة ستة أشهر جديدة، إلا أنه بات من المسلم به ان يرى ذلك التمديد النور قريباً في أروقة الأمم المتحدة، لا بل قد يعمد إلى عدة حالات تأجيل بعد انتهاء مدة الأشهر الستة الجديدة هذه.

ولن يسدل الستار على عمل اللجنة الدولية إلا بعد التأكد تماماً من وضع آخر نقطة على آخر حرف في فصل علاقة الدولة العبرية بجوارها العربي وذلك كخطوة أخرى جديدة على طريق تشكيل الشرق الأوسط الكبير «بقلبها النابض ممثلاً بإسرائيل».

فبعد تحييد الجبهة الجنوبية إثر توقيع اتفاقات كامب ديفيد بين إسرائيل ومصر وتحييد الجبهة الشرقية من خلال اتفاق وادي عربة بين الأردن وإسرائيل واتفاقية «أوسلو» مع الفلسطينيين وشن حرب شعواء ضد العراق، جاء الآن دور الجبهة الشمالية، حيث تجري الاستعدادات على قدم وساق لتوقيع اتفاقات مماثلة تضمن تحييد هذه الجبهة المشتعلة بشقها اللبناني والذي يُحرّك كلما اقتضت الحاجة الإقليمية ذلك.

هذا التوجه يبدو أكثر واقعية بعد أن تمكنت واشنطن من رمي الكرة العراقية في ملعب الجامعة العربية، من خلال عقد مؤتمر الوفاق العراقي في القاهرة أخيراً، أعقبه تصريحات كثيرة لمسؤولين أميركيين تتحدث عن انسحاب للقوات الأميركية من العراق، حيث توجت تلك التصريحات بإعلان الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش عن «استراتيجية النصر»، التي تصب في نهاية المطاف في قناة الانسحاب ذاته.

ولو أنها حملت بعض القشور ظناً من واضعيها بأنها قد تحفظ ماء وجوه قادتهم، الذين يعتبرون أن مدة بقاء قواتهم بهذا الشكل في العراق قد طالت زيادة عن اللازم، مما يعيق التقدم باتجاه حلقات أخرى في سلسلة استراتيجيتهم الاشمل في المنطقة عموماً.

ولا يمكن النظر إلى ظاهرة الإمعان في تدويل قضية اغتيال الحريري، إلا في سياق إحكام القبضة الأميركية ـ الإسرائيلية على منطقة الشرق الأوسط، كما أنها كانت نائمة فقط ووجدت الآن فرصة مثالية للاستيقاظ في مناخ لا يعكر صفو أصحابها ويضمن لهم تجسيد الأطماع على أرض خصبة قادرة على إعطائهم ثماراً ما حلموا بها قط.

من هنا يأتي القلق الأميركي حيال التجاذبات الحالية، التي تحيط بوضع القاضي الألماني ديتليف ميليس على رأس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري. فلقد عبر جون بولتون، السفير الأميركي في الأمم المتحدة، عن ذلك القلق خير تعبير عندما حذر من «استغلال الحكومة السورية لتغيير بالجملة في قيادة اللجنة للمماطلة في التعاون الكامل.

والتام الذي طالب به قرار مجلس الأمن 1636»، أي أن بولتون يخشى ومن ورائه كل قياداته من حدوث ثغرة في الهجوم ضد سوريا، بعد أن باتت القضية قاب قوسين أو أدنى من إطلاق طلقة الرحمة على هذا الجزء المعاند من الجسد العربي.

ومن هنا أيضاً يأتي رفض وزراء حزب الله وحركة أمل مجرد طرح فكرة تشكيل محكمة دولية لمحاكمة من يثبت تورطهم في مقتل الحريري، فضلاً عن لجوء النظام السوري لكل الوسائل الهجومية ضد لجنة التحقيق الدولية.

وذلك للحيلولة دون المزيد من الخطوات التدويلية، التي راحت كرتها الثلجية تتدحرج في المنطقة ويبدو أنها لن تتوقف قبل أن تقتلع العرق الأخضر الأخير فيها.