شهدت باريس الأسابيع الماضية تصاعداً لأدخنة الحرائق وأعمال الشغب في انتفاضة قام بها شبان غاضبون. وأغلقت مرافئ اسبانيا من جراء محاصرتها من قبل الصيادين. ولم تحرر السفن المحتجزة إلا بعد ان كسب الصيادون الغاضبون المزيد من إعانات الوقود الحكومية.
وخلال أسفاري على مدار الأسابيع الثلاثة الماضية في تركيا الى البرتغال مروراً بعدة بلدان أوروبية، تذكرت مرة أخرى كم أصبحت أوروبا مختلفة عن أوروبا التي يعتبرها بعض الأميركيين مثلا أعلى للسعادة الاجتماعية المتأتية عن الاشتراكية الهادفة الى النفع العام والرعاية الطبية المجانية والثقافة الراقية المتطورة.
أسعار البنزين تتراوح من 4 إلى أكثر من 5 دولارات للغالون. الاختناقات المرورية وسحب الدخان ليس أقل سوءاً مما هي عليه في الولايات المتحدة، اذا لم تكن أسوأ، أسعار كل شيء من الطعام إلى اللباس أعلى ـــ 20 بالمئة من الأسعار التي يدفعها معظم الأميركيين.
البيوت والشقق أصغر وأغلى من نظيراتها في الولايات المتحدة. وبعض القاطرات لا تزال تفرغ القاذورات من مراحيضها على السكك الحديدية. ورغم كل النكات عن الأميركيين البدناء، فإن الأوروبيين الذين شاهدتهم في الشوارع لا يبدون أقل بدانة.
والشباب الأوروبي ليس أقل عرياً من شباب أميركا. وفي القارة الأوروبية التي تبدي كثيراً من القلق حول نقاء الغلاف الجوي، يعتبر التدخين من أداب الاتيكيت في الكثير من المطاعم والحافلات والمكاتب والمطارات ـ دون إظهار الكثير من الاهتمام بصحة الآخرين. والطوابير لا تزال عشوائية، يشوبها الكثير من المزاحمة والتدافع، ويسودها مبدأ »البقاء للأوقح«.
الصحف والمجلات مليئة بالشماتة بمشاهد الفوضى في أميركا بعد كاترينا. وفي كل مكان تجد ابتهاجاً واضحاً بـ »المستنقع العراقي«. ويقرأ المرء هذه القصص الإخبارية عن متاعب أميركا في مقاهٍ تهيمن على أجوائها القمصان والموسيقى والإعلانات الأميركية.
الاتحاد الأوروبي يزداد تحجراً وابتعاداً عن الديمقراطية يوماً بعد يوم، ومبادئه النظرية الفاضلة تتحول إلى أضحوكة على أرض الواقع. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي .
ورحيل آلاف من جنود الجيش الأحمر عن أوروبا الشرقية، أعلن الأوروبيون الجدد بشكل أحادي إن بلادهم جنة الله على الأرض. أي إن مواطني القارة الأوروبية يشعرون الآن بأنهم مستثنون من الواقع القاسي الذي يواجه مليارات البشر المنهكين في أميركا والصين والهند وروسيا.
الحرب أصبحت موضة قديمة تنشغل بها الأمم الأخرى الأكثر بدائية وبينما يعترف الأوروبيون إن الولايات المتحدة لا تزال تزودهم بدفاع موثوق وبتكاليف مخفضة، فإنهم يبررون هذا الوضع المحرج لهم بالقول إن أميركا مولعة بالقتال على أي حال ولذا لابد أنها تستمتع بمطاردة الأعداء الوهميين في أنحاء العالم.
وعملياً فان مثل هذه المعارضة المطلقة للحرب تؤدي إلى اضعاف »الناتو« في حين يتوقع الأوروبيون ان تستمر الولايات المتحدة في تحمل حصة متزايدة من التكاليف والقوة البشرية. ومعظم الأوروبيين لا يدركون انهم فقدوا ودّ أميركا ـــ وفقدوا معه رغبة الشعب الاميركي في التدخل مجدداً لنجدتهم من ميلوسفيتش آخر أو من روسيا متعاظمة.
والأوروبيون المتحضرون يعتبرون الآن انجاب ولدين أو ثلاثة امراً مرفوضاً ومتروكاً للعائلات الأقل ثقافة وللورعين الذين يجدون وقتاً يضيعونه على تبديل حفاظات الأطفال، أما المواطن الأوروبي العصري الذي ليس لديه أولاد فتجده منشغلاً بالسياحة وارتياد المطاعم الراقية واستخلاص العبر الأخلاقية من العالم والسعي لإشباع ميوله الفكرية.
وترحب أوروبا بمجيء المزيد من المهاجرين العرب والأتراك كثيري النسل للقيام بأعمال التنظيف، لكن ليس للتزاوج أو الاندماج مع سكان البلدان الأصليين. ومع ذلك كله لا يشعر الأوروبيون بأنهم ليسوا ليبراليين ورغم كل شيء، فإنهم يبثون على موجاتهم الإعلامية للعالم بأنهم أصحاب مواقف تقدمية في القضايا الإنسانية المتعلقة بالفقر العالمي والمحاكم الدولية والبيئية.
إن الحلم الأوروبي الطوباوي بالعمل لـــ 35 ساعة فقط في الأسبوع وتوفير وظائف تدوم مدى الحياة وإعانات حكومية اجتماعية للفرد من المهد إلى اللحد، هذا الحلم يسقط الآن ضحية لواقع مزعج.
وهو أن الأميركيين والهنود والصينيين ليست لديهم مثل هذه الادعاءات المغرورة. وفيما تركن أوروبا للراحة، يعمل الآخرون بقدر أكبر من الجدّ ولساعات أطول لإنتاج سلع أرخص للمستهلك العالمي الذي يزداد اهتمامه بالسعر يوماً بعد يوم.
ووراء هذه الإضرابات وأعمال الشغب المتكررة والغضب من الولايات المتحدة، يكمن الواقع القاسي للنمو الاقتصادي البطيء ومعدلات البطالة المتزايدة. وهكذا برغم الإنجاز الكبير الذي حققه الاتحاد الأوروبي، فإن مقدمته المنطقية المركزية القائمة على توفير المساواة والأمن بتفويض حكومي أثبتت فشلها.
وتقوم العقيدة الأوروبية على أساس ان كل من هم داخل الجنة الأوروبية الآخذة بالانكماش ــ أي كل مواطن أوروبي لديه وظيفة تضمنها الحكومة ــ سيكونون متساوين فيما بينهم.
وفي هذه الأثناء يتم تجاهل كل العدد المتزايد من أولئك المحرومين من الجنة ــ العاطلين عن العمل، المسلمين المهاجرين، مزارعي العالم الثالث الذين يعانون بسبب الإعانات الحكومية المقدمة للمزارعين الأوروبيين، ويتم تجاهل حتى الحلفاء الأميركيين أيضاً.
ولأن أكثر من نصف مليون أميركي ماتوا في حربين أوروبيتين القرن الماضي، لا نستطيع إلا أن نأمل بأن تنجح تلك الجنة الأوروبية المنتدبة حكومياً. لكن مع ذلك يجب علينا نحن الذين نعيش على الأرض أن نقرّ بأنها لن تنجح.
خاص لـ البيان