التاريخ والقائد التاريخي

التاريخ والقائد التاريخي

تتحدث كتب التاريخ وقصص الماضي عامة عن أهمية القائد في صنع التاريخ، حيث تعتبر كبار القادة السياسيين من أهم القوى المحركة للتاريخ والموجهة لمساراته المختلفة.

لذلك، اتجه المؤرخون، خاصة القدامى منهم، إلى اعتبار القادة السياسيين والعسكريين أداة ومحور المسيرة التاريخية، مهملين بذلك دور القوى الاجتماعية والاقتصادية والتطورات التكنولوجية والعلمية والمتغيرات البيئية والدولية في تحريك تلك المسيرة وتحديد توجهاتها الرئيسية.

وعلى سبيل المثال، يعتبر الفراعنة محور تاريخ مصر القديم وصناعه، ويعتبر قادة الفتوحات الإسلامية محور التاريخ العربي بعد الإسلام ورجاله الذين قاموا بنشر الرسالة المحمدية بين مختلف شعوب الأرض، ويعتبر القياصرة محور تاريخ الإمبراطورية الرومانية وصناع انجازاتها العسكرية العظيمة.

بالرغم من موقع القائد من حركة التاريخ وأهمية دوره في توجيه المسيرة التاريخية، إلا أن الحدث التاريخي والأيديولوجية المهيمنة على المجتمع كانا ولا يزالان المسؤول الأول عن صنع القائد وتحديد دوره المجتمعي وأهميته التاريخية بوجه عام.

فالنصر كالفشل هو جزء من حدث تاريخي تفرزه تحولات مجتمعية كثيرة ذات طبيعة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو أمنية أو بيئية، وذات أبعاد وتبعات مجتمعية عميقة تجعل الحدث وزمانه جزءا من تاريخ ماضوي مهم.

إلا أن ارتباط الحدث باسم معين وتاريخ معين يجعل المنتصر قائدا تاريخيا والمنهزم قائدا فاشلا، الأول أهلا للتبجيل والتكريم، وأحيانا للتقديس، والثاني اسما منسيا في سجلات التاريخ وكماً مستهلكاً في سلة المهملات التاريخية.

وفي الواقع، تحتفظ سجلات التاريخ بأسماء الهزائم والمهزومين لأن وجود تلك الأسماء يعتبر دليلا قاطعا على عظمة القادة ونجاحهم في تحقيق النصر على الأعداء، حيث الفشل هو الوجه الآخر للنصر، والمهزوم هو مطية المنتصر وأساس شهرته وعنوان عظمته.

حين يكون النصر صدفة تاريخية وقعت بسبب خطأ استراتيجي ارتكبه العدو، أو نتيجة لظروف خارجة عن إرادة المنتصر والمهزوم على السواء، فإن التاريخ قلما اعترف بملابسات النصر، وذلك لأن التاريخ يخضع لمنطق المنتصر، والذي كان ولا يزال منطقا يرى النصر مقترنا باسم القائد المنتصر.

النصر إذن هو ابن شرعي يجد دوما من يتبناه، أما الفشل فهو ابن عاق غير شرعي يتعذر عليه أن يجد من يتبناه أو من يعطف عليه أو من يتفهم ظروفه ويسمع شكواه.

لقد صور التاريخ، متوخيا خدمة المنتصر وحكمة القائد المستبد ومنطق التزلف للسلطة، كل نصر مهما كانت أسبابه وتبعاته ابنا بارا وجميلا وكثير الآباء والأمهات والمعجبين، بينما جعل الفشل ابنا شقيا وقبيحا بلا أب أو أم أو معجبين.

وحيث ان الحدث التاريخي بعناصره الفكرية والموضوعية يساهم في صنع القائد التاريخي أكثر بكثير من مساهمة الأخير في صنع الحدث والتاريخ، فإن الحدث، لا القائد، هو المحرك الأول للتاريخ والصانع الحقيقي لأحداثه.

وبالعودة لسجلات التاريخ وأحداثه المهمة نلاحظ أن التطورات المجتمعية بشقيها المادي والمعنوي، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي، كانت محور الحدث التاريخي وأهم القوى المؤثرة في اتجاهات المسيرة التاريخية عبر السنين.

أما القائد التاريخي فلم يكن سوى شخص غير عادي اتصف بصفات خاصة جدا مكنته من وعي أهمية التغيير وضرورة المبادرة بإحداثه، وساعدته في الوقت ذاته أفكار غير عادية على التعرف على قوى التغيير المجتمعية واتجاهاتها العامة، ووضعته ظروف غير عادية في موقع القيادة الموجهة لمسارات التغيير وصنع الحدث.

وهذا يجعل القائد التاريخي مجرد متفاعل ذكي للتاريخ، وليس سيدا له أو قائدا لمسيرته، ومفسرا جيدا لفلسفة التغيير وإيديولوجية الهيمنة المجتمعية، وليس صانعا لها.

في الماضي البعيد وشبه البعيد، وحيث ظهرت العديد من القيادات التاريخية المهمة، كانت ظروف الحياة غير مستقرة بوجه عام، إذ خضعت معظم المجتمعات في حينه لأيديولوجية دينية مالت للثبات والجمود.

وتقديس الماضي واضطهاد الأقليات، أو لأيديولوجية قومية مالت للتوسع على حساب الغير وقامت بإفراز قيادات فردية تسلطية ذات نزعة عنصرية. ولقد أدى ذلك لخضوع المجتمعات الإنسانية في حينه لأنظمة حكم مستبدة ونظم حياة تقليدية عقيمة ضاقت بسببها مجالات الحرية الاجتماعية والفكرية.

وضعفت في ظلها حوافز التحول والتقدم بشقيه العلمي والتكنولوجي. وهذا ترك مجال النبوغ محصوراً ضمن صفوف الفئة المهنية وموجهاً أساساً لإدارة الحكم وخدمة الإيديولوجية المهيمنة على المجتمع وذلك من خلال ممارسة الكبت والاضطهاد ومصادرة حقوق الآخرين والاعتداء على كرامتهم.

وفي الواقع، كان من أبرز صفات الملوك العظام ومن أهم مؤهلات القيادة والعظمة في أوروبا، وذلك حتى نهاية القرن التاسع عشر، قدرة أولئك الملوك والقادة على إهانة النبلاء.

وإذلال الغير من الحكام والناس، وتسخير العامة لخدمة طموحات فردية وأهواء مرضية لا علاقة لها بتحقيق التقدم أو العدالة، أو بحماية مصلحة وطنية أو قضية أخلاقية أو إنسانية.

نتيجة لذلك أصبح بالإمكان، بل من الطبيعي، ظهور قيادات تتصف بالتاريخية وتستمد تاريخيتها وشرعيتها من البطش والدمار الذي يتحقق على يديها الملطخة بدماء الأبرياء، وليس من التقدم العلمي .

أو التطور التكنولوجي أو الرفاه الاقتصادي الذي يتحقق في ظلها للعامة من الناس. لذلك أصبحت عظمة القادة مصحوبة دوما بتحقيق نصر عسكري على الغير، وإلحاق الأذى والدمار بالأبرياء وبالأوطان.

وفي الواقع، كانت تضحيات المواطن ولا تزال هي الوجه الآخر المقيت لهزيمة العدو وتدمير بلاده، وكان تحويل ما لا يحصى عددهم من النساء إلى أرامل، وما لا تحصى أعدادهم من الأطفال الأبرياء إلى يتامى هو ثمن النصر المفرغ من أي محتوى إنساني.

ولقد كانت الإيديولوجية ولا تزال هي مصدر الشرعية لسفك الدماء وارتكاب الجرائم، والمطية التي ركبها كل القادة التاريخيين من سياسيين وعقائديين لتحقيق العظمة ودخول التاريخ من أوسع أبوابه.

وليس لدي أدنى شك في أن التاريخ سيذكر ويتذكر الرئيس بوش في المستقبل القريب كقائد غير عادي، إلا أن اسمه سيبقى مقترنا بالقتل والدمار الذي ألحقه الجيش الأميركي بالشعبين العراقي والأفغاني، وبتصعيد حدة التطرف في أميركا والعالم، وبالتسبب في زيادة الإرهاب الدولي.

وبتغيير موازين القوى في المجتمع الأميركي لصالح الأثرياء على حساب الفقراء والتعساء. كما أن التاريخ سيذكر ويتذكر شارون كقائد تاريخي حقق لإسرائيل نصراً كبيراً على الفلسطينيين من خلال استعذاب مهنة الإرهاب، وقتل الأبرياء من شيوخ ورجال ونساء وأطفال، وقطع الشجر، وهدم المنازل.

والاعتداء على حرمة البيوت والمقدسات بلا حساب، وتزييف التاريخ، ومنح الإرهاب والاستيطان ـ بالتعاون مع الإعلام الأميركي ـ شرعية إلهية وأخلاقية استعمارية.

professorrabie@yahoo.com

٭ أكاديمي أميركي من أصل عربي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات