في بحث له عن الموت يقول أحد الباحثين البريطانيين: »ان الناس يدفنون موتاهم في أماكن بعيدة خوفا من فضلاتهم السيكولوجية«.. موضحاً أن الإنسان الحي حين يشتم رائحة تفسخ الجثث يشعر بوجود أرواح شريرة ذات نزوع انتقامي لدى الموتى القريبين منه، لذلك يفضل الدفن في أطراف القرى والبلاد تجنباً لهذه الأحاسيس المقلقة.

ما يمكننا إسقاطه على كلام الباحث أن ثمة موتى في عالم الأفكار والأيديولوجيات والتجارب الإنسانية يحلو لكثيرين استحضارهم حين يكون النقاش متصلاً بالحاضر الحي، الأمر الذي يحيل، في رأينا، الميت إلى شيء مميت، أي تحويل أشباح الماضي إلى نماذج حية تشارك الحاضر في حيويته.

ونظراً لهذا التداخل غير المبرر فإن ثمة فداحات من الممكن حدوثها، ما لم يتم دفن الماضي بكل آلامه وجراحه حتى يتسنى لنا التعاطي الحر مع واقع يجب تخليصه من إرث الماضي إذا أردنا بجدية اعطاء الفرصة لحراك الأفكار وصيرورتها.

كان الدبلوماسي الأميركي ريتشارد هو لبروك »مهندس اتفاقية دايتون عام 1995« يقول: »أنا مستعد لتعليق شعوري الأخلاقي لفتح حوار مع الحاكمين في يوغسلافيا« وكان يقصد بذلك أنه تخلص من تشبيه »ميلوسيفيتش« بالنازي هتلر، لأن الهدف الأسمى كان وقف مذابح الصرب آنذاك.

نقول هذا الكلام بعد أن وجدنا أن جميع التجليات الإعلامية للانتخابات البرلمانية المصرية تمثل نموذجاً ساخراً على الوقوع في براثن الذاكرة، بل والوصول إلى حرب تصفية حسابات عبر النبش غير المفهوم في ماضي »الإخوان المسلمين« الذين يتعرضون لمحاكمات إعلامية إثر فوزهم الكبير في الانتخابات التشريعية.

دون بذل أي مجهود من مناوئيهم لرصد السياق السياسي الذي أفرز ماضيهم. والعجيب أن تعليق المشانق الأيديولوجية للإخوان يبدو وكأنهم مروا من قبل بتجربة حكم البلاد والعباد، الأمر الذي يجسد حالة من الخفة السياسية والفكرية لدى الذين يقومون بتجريف الحاضر.

لا يمكن الإنكار أن للإخوان تاريخ مليئاً بالفعل ورد الفعل العنيفين، لكن في المقابل يوجد لباقي التيارات تاريخ ينضح بالخراب والمآسي وإن كان بقفازات حريرية، فإذا كانوا يقولون إن »الإسلام هو الحل« شعار فضفاض، فماذا عن شعارات القوميين والماركسيين والعلمانيين؟

وإذا قيل إن أحد الإخوان كتب مقالاً منذ أيام في صحيفة »الغارديان« البريطانية يخطب فيه ودّ الغرب وطمأنتهم، فماذا عن بعض النظم التي تقوم بقضها وقضيضها بالمهمة نفسها.

يقول تزفيتان تودوروف مدير أبحاث في المركز الوطني للأبحاث العلمية في فرنسا: »إن الاستعمال الجيد للذاكرة هو الذي يخدم قضية عادلة، والعدالة التي يجب أن نتوخاها هي إعطاء الفرصة لتيار هو في الحقيقة لم يأخذها كاملة، وبالتالي مصادرة طموحاته يجب أن تخضع للمحك.

إن مطاردة مستقبل الإخوان المسلمين، التي وصلت إلى حالة من الفوبيا، عبر استحضار رائحة الماضي الميت تعني بالضرورة فرض الوصاية على إرادة الناس.. وهو المعنى المميت.