من مصلحة لبنان تهدئة سورية والمحافظة على أمنها، ومن حق سورية أن تجعل لبنان واحة آمنة بعيدة عن عودتها لتكون شوكة في الخاصرة العربية، حين كانت الانقلابات والمؤامرات، وتهريب جواسيس العالم تمر بها..
الخلاف بين البلدين لم يخلق الضوابط، ليكون الحوار منسجماً مع العلاقة الجغرافية الحرجة والتاريخ المشترك، ولذلك جاء الهجوم من إعلام البلدين وساستهما بعيداً عن الموضوعية، وتطابق المصالح، ولعل موضوع قتل الحريري، لم يكن بذاته هدفاً بجعله شهيد واجب يوحد إرادة البلدين، بل جعلت منه بعض الأطراف طلاقاً شاملاً، لدرجة تحولت الاتهامات إلى اختراع أساليب غير منطقية وغير صحيحة في بعض الأحيان..
في البقاع كشفت السلطات اللبنانية مقبرة لقتلى، وقبل أن يعرف المحقق، أو يكتشف الشاهد، جاء الاتهام لسورية سريعاً، ونحن لا نستطيع أن نبرئها، لكن لا يقدر أحد إثبات الواقعة واحتسابها على السوريين، ولو قدر أن يُفتح ملف المقابر، لربما أصبح الاتهام يصل رقاب الكثيرين، ووحدها مجزرة صبرا وشاتيلا تأتي كأكبر إدانة لمن ساهموا مع إسرائيل بقتل الأبرياء علناً، وبوثائق غير مزورة وبشهود مازالوا يعيشون على أرض لبنان، والتي صارت عاراً تاريخياً على أرض الحرية وما يقال عن انسجام بين التنوعات الأثنية والثقافية..
قبل الاكتشاف الأخير لمدفن الموتى كانت قضية هسام هسام الكردي السوري تشهد جدلاً واسعاً حول شهادته بقتل الحريري، وبأنه أجبر على تلك الأقوال بالتهديد والقوة، وقد يخرج شاهد آخر، وثالث، وتبدأ حرب جديدة بألوان مختلفة من التزوير والتلصيق ويجد المحقق الدولي أنه أمام معالم تضيع فيها الطرق والألوان، ومعهما كل الحقائق، وقد يطوى ملف الحريري لأسباب يرى فيها المحققون، وأصحاب القضية، أن أعباء لواحقها أخطر وأكبر من الجريمة ذاتها..
بين سورية ولبنان خطوط ألغام قابلة للانفجار، لكن من المستفيد في حالة سقوط الأمن بسورية، ومعه لبنان ودول أخرى؟؟ وما تأثير ذلك على أمن المنطقة، و هل من الموضوعية ترك المتاجرين بالسياسة يشعلون البلدين، وبأدوات حرائق تستورد من الخارج؟..
ثم ألا يكفي ما يدور في العراق وفلسطين، والسودان، لنلحق بها أقطاراً عربية أخرى لمجرد رغبة أصحاب الثارات أن يقفوا على أطلال هذه الأمة وهي تحترق وتتدمر؟..
عقلاء البلدين ومعهم أنصار التعقل والحكمة في الوطن العربي، من حكام وساسة، وأصحاب ثقل سياسي ومادي، عليهم أن يضعوا حداً لتصاعد الخلافات قبل أن تنزلق الأقدام وتنكسر وعندها قد لا نجد من يعالج تلك الكسور..