نواصل متابعة مغامرات لورنس العرب في أفغانستان في العشرينات من القرن الماضي حسب وثائق فرنسية تم الإفراج عنها بعد مرور الزمن، لنجد انه في عام 1919 تولى العرش الأفغاني الملك أمان الله خان فكر في تحديث بلاده.
وكان هذا الملك غربي الميول والثقافة فهو يتكلم الفرنسية وأرسل ابنه إلى مدرسة ميشلاي في باريس يتعلم وجلب خبراء وفنيين من باريس لتدريب ضباط جيشه، وكان من المغرمين بمسيرة مصطفى كمال اتاتورك ويطمح إلى أن تكون أفغانستان تركيا الجديدة تحت سلطانه. وجلبت له حركة التحديث تلك عداوات القبائل التقليدية التي كانت توقد غضبها مجموعات متدينة.
ولكل هذه الأسباب خشيت بريطانيا من مزاحمة فرنسا وروسيا لها في هذه البلاد ذات الأهمية الاستراتيجية العظمى، وخططت حكومة جلالة الملك البريطاني لزعزعة نظام العاهل أمان الله خان.
ووقع اختيار المخابرات العسكرية البريطانية على من كان يعتبر جيمس بوند عصره أي المغامر توماس ادورد لورنس الذي أثبت في جزيرة العرب أنه قادر على تنفيذ برامج الامبراطورية وقلب الموازين لصالحها.
وتم إرسال لورنس تحت اسم هيوم شو إلى أفغانستان فانتقل في بورا بورا وقندهار قبل بن لادن وآثار القبائل وحرض على الثورة ضد الملك »الكافر« واندلعت ثورة اقليم خوشت بإعانة لورنس بل وبقيادته التكتيكية وبلغ الأمر بلورنس إلى حد إدارة انقلاب ضد الملك أمان الله في يناير 1929 لينصب على العرش بتشي صاقاو عميل الانجليز.
من غرائب هذا التاريخ المجهول أن لورنس في رسالة بعث بها من كابول إلى صديقه السير ونستون تشرشل في 18 يناير 1927 يقول فيها: »إني أتابع مهمتي هنا وأنا واثق من أن أفغانستان تشكل نقطة التقاء وصراع الإمبراطوريات الفرنسية والروسية المنافسة لنا، وربما يأتي وقت نتصارع فيه نحن وروسيا مباشرة في هذا المكان الأخطر في العالم«.
وبدأ لورنس يستعمل الطائرة من المطارات الهندية ليصور بآلة تصوير عسكرية كل مواقع الحدود بين الهند وأفغانستان ويمد المخابرات البريطانية بهذا الرصيد من المعلومات تحسباً لغزو عسكري تقرره الحكومة حين تستكمل تجهيزاتها.
وكان لورنس يكلف مساعده الكابتن ديفد هوبرت يونغ بربط الاتصالات بالمتمردين وتزويدهم بالعتاد والسلاح وأيضاً بتدريب الثوار الجدد على نصب الكمائن وتفجير العبوات الناسفة على خطوط السكة الحديد.
أي في الواقع إعادة نفس سيناريو الثورة العربية مع بعض التعديلات التي تقتضيها الاختلافات الجغرافية في الصحراء إلى الجبال وتغيير نوع العدو من الأتراك إلى الأفغان. وخلال عام 1929 هرب لورنس بسرعة.
وغادر قلعة ميرنشا عائداً إلى بريطانيا ولكن عن طريق مصر، فحل بميناء بورسعيد، وحرصت السلطات البريطانية على غلق الميناء المصري لتمنع لورنس من النزول إلى اليابسة.
ومن مصر توجهت به باخرة إلى ميناء بليموث الانجليزي حيث استقبله مركب صغير تملكه المخابرات وأنزله بعيداً عن العيون على الأرض البريطانية ومنها إلى لندن تحت جنح الظلام، وهناك تلقى تعليمات بأن يتخفى تماماً ولا يكلم أحداً ولا يتصل بأحد حتى تأتيه الأوامر.
وتعتقد المخابرات الفرنسية حسب وثائقها بأن لورنس لعب دوره في أفغانستان كما حدد له لكن السفير الروسي لدى الملك أمان الله خان واسمه ديبنكو اكتشف أمره وأوعز للمخابرات الروسية التابعة للكومنترن السوفييتي بتصفيته.
كما أن المخابرات الفرنسية أكدت بأنها تعرف حقيقة الجندي هيوم شو وبأنه هو نفسه لورنس العرب الذي اشتهر في أدبيات المخابرات والمحافل الدبلوماسية بدوره في الحجاز والشام والعراق ومصر.
العجيب في هذه المغامرات هو أن وثائق المخابرات تقول بأن من سوء طالع أفغانستان أنها تحتل موقعاً استراتيجياً فريداً وضعها في قلب النزاعات العالمية والمنافسات الدولية وجعلها محط مطامع القوى العظمى لأنها حلقة الوصل بالرغم عنها بين روسيا والصين والعالم الإسلامي وبلاد فارس والإمبراطورية العثمانية والهند، أي أنها تقع على فوهة بركان.
وتذكرت ما كنت قرأته في مذكرات الرئيس الأميركي الأسبق، دوايت ايزنهاور حين سأله الصحافي ستيفن أمبروز عام 1958 عن أخطر مناطق العالم في المستقبل والتي سيتحدد فيها مصير العالم فقال: »إنهما اثنتان، أفغانستان والعراق«.
وأنا أهيب بالمؤرخين العرب والمسلمين حتى يغامروا بالبحث عن هذه الخفايا والأسرار ويكتشفوا بعض كهوف التاريخ التي لم يدخلها أحد والتي تهم حضارتهم وتنير حاضرهم وتستشرف مستقبلهم.
كاتب تونسي
alqadidi@hotmail.com