يبدو إن الولايات المتحدة الأميركية، لا تعرف كيف تتعامل مع المأزق الذي تواجهه في العراق، بدليل هذا التخبط والتناقض في اتخاذ القرارات.
والتي كان أبرزها رفض الحوار مع المسلحين الذين يقاومون الاحتلال على أرض الرافدين، ثم العودة الى قبول الحوار معهم باستثناء مجموعة الزرقاوي، وقبل ذلك إبعاد عناصر الجيش العراقي السابق من الخدمة ثم القبول بضمهم مرة أخرى الى الجيش الجديد.
وأيضاً اتهام سوريا بالتغاضي عن عبور المسلحين الى العراق، ثم تشيد بعد ذلك بمراقبتها والإجراءات التي اتخذتها لضبط الحدود، اضافة الى القول ان الأجانب هم الذين يقودون العمليات ضدها في العراق، ثم الاقرار بأن عددهم قليل وان الغالبية العظمى من المقاومين عراقيون.
هذا التخبط في اتخاذ القرارات وإدارة الأمور في العراق، ألقى بظلاله على صورة الولايات المتحدة التى اهتزت كثيرا جراء ذلك، ما دفعها الى محاولة علاج تلك الاخطاء واعادة تجميل الصورة مرة أخرى.
لكنها بدلاً من إجراء عملية تجميل ناجحة، تعالج الندوب التي اعتلت وجهها، وجدت نفسها في مأزق، بعد ان فشلت عملية التجميل التي تحولت الى فضيحة ضاعفت من تشويه صورتها.
وهذا ما كشفت عنه أخيراً صحيفة »لوس انجلوس تايمز« الأميركية التى قالت ان وزارة الدفاع الأميركية »البنتاغون« نشرت مقالات لضباط أميركيين باسم صحافيين مستقلين في صحف عراقية.
وإنها قدمت مكافآت مالية سرية الى صحف عراقية لنشر تلك المقالات التي ترجمت الى اللغة العربية بمشاركة شركة »لينكولن غروب« الأميركية للعلاقات العامة. وتقدم هذه المقالات على انها لصحافيين مستقلين وتشيد خصوصا بعمل الأميركيين والعراقيين على الأرض لإعادة إعمار العراق وإدانة عمليات المسلحين.
ورغم انكشاف هذه الفضيحة، إلا أن الجيش الأميركى لم يعتذر عن محاولة خداع العقول وتزييف الحقائق التي مارسها على العراقيين، بل لجأ الى أسهل الطرق، وهي الدفاع عن مواقف ضعيفة.
موضحاً إن ما قام به يهدف الى تطويق الأكاذيب التي ينشرها تنظيم القاعدة، مشيراً الى ان أبومصعب الزرقاوي يواصل الكذب على العراقيين وعلى الأسرة الدولية.
»الكذب مقابل الكذب« هى المعادلة الجديدة التي يستخدمها الجيش الأميركى، للسيطرة على العقول العراقية، والتأثير في المواقف وتشويه صورة الآخرين الذين يناضلون بحق من أجل إنهاء سيطرة الاحتلال، ويستنكفون الاعتداءات على المدنيين التي يمارسها البعض باسم المقاومة، والمقاومة منهم براء.
لكن هذا الأمر جد خطير، لأنه يشوه دور وسائل الإعلام، ويحولها من وسيلة للمعرفة والمعلومة والحقيقة، الى منشور سياسي مثلما كان ولا يزال سائداً فى الدول التي تحكمها نظم شمولية ديكتاتورية.
وهو ما أدركه على الفور البيت الأبيض، الذي أعرب عن قلقه وطلب من »البنتاغون« توضيحات، معتبراً ان »الولايات المتحدة رائدة في الدفاع عن حرية الصحافة واستقلالها في العالم وسنستمر في ذلك«.
ان من حق الولايات المتحدة ان تتجمل، لكن ليس بهذه الطريقة، وإنما بطرق ووسائل حقيقية ومباشرة، أهمها تحديد جدول زمني للانسحاب من العراق، واعطاء الشعب العراقي الحرية في اتخاذ القرارات المناسبة له، وعدم التدخل في العملية السياسية، عبر تقديم طرف على آخر.
أو تحجيم وتهميش طرف لحساب آخر، والابتعاد عن حل الأمور بالقوة العسكرية التي دائماً ما تستجلب نفوراً شعبياً.بهذا فقط تستطيع الولايات المتحدة تجميل صورتها، وتصحيح الأخطاء التي ارتكبتها منذ غزوها للعراق، والعودة الى دورها كقوة دولية قوية، تساند الأمن والاستقرار العالمي، لا أن تكون طرفاً مهدداً له.