بغض النظر عن الاحتكاكات السلبية التي رافقت انتخابات »البرايمرز« الفتحاوية الداخلية في فلسطين، الا أن ايجابياتها الواسعة كانت هي الطاغية، في وقت أمست فيه حركة فتح بحاجة ماسة لتطعيم قياداتها الأولى بالدماء الجديدة ورفدها بجيل الشباب الذي نما وترعرع في ميدان الفعل المباشر على أرض الواقع، بعد أن اعتقد البعض بأنها أصبحت كالأسد الجريح السائر نحو نهايته.
ومن الايجابي جداً أن تبادر حركة فتح لاشتقاق أسلوب »البرايمرز« كطريق ديمقراطي فاعل وأكثر شفافية في اختيار مندوبيها الى القوائم التي سترشحها لانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني المقرر إجراؤها في 25/1/2006. ومن الايجابي أن يتجه الرئيس محمود عباس لتطعيم القوائم اياها بمرشحين غير فتحاويين من الشخصيات الفاعلة في الحياة السياسية الفلسطينية.
البرايمرز ستحدد مشاركة 35 مسؤولاً كبيراً في حركة فتح في التركيبة النهائية للقائمة الفتحاوية لانتخابات المجلس التشريعي، الأمر الذي يفتح المجال لاستكمالها بأسماء من القاعدة الشبابية في حركة فتح وكتائب شهداء الأقصى في خطوة مدروسة تمزج بين حكمة الكبار وتجربتهم وروح الجيل الشاب الصاعد.
ولكن ما جرى في قطاع غزة من تعطيل مؤقت لانتخابات البرايمرز لم يكن ليأتي من فراغ، فنحو 200 صندوق وزعت في المكاتب الإقليمية لحركة فتح، ونحو 326 مرشحاً تنافسوا على الترشيح بـ 49 مقعداً مخصصا للقطاع في البرلمان الجديد (عشرة مرشحين شمال قطاع غزة، 72 مرشحا على 17 مقعدا مدينة غزة، 75 مرشحا على عشرة مقاعد في خان يونس، 54 مرشحا على ستة مقاعد .
وسط قطاع غزة، 45 مرشحا على ستة مقاعد في رفح) فأغلب الظن، أن الحوادث التي أشير اليها تأتي في ظل تجربة جديدة ووليدة هي الأولى من نوعها في حياة أول تنظيم فلسطيني.
وفي المدى الأبعد قليلاً، فخطوة البرايمرز في الضفة الغربية واستعصاءاتها في قطاع غزة، تبقى خطوة نوعية وهامة، تأتي في سياق سياسي اخر.
وتحمل في ثناياها مزيداً من الحركات الداخلية على ضوء الجمود المسيطر على مؤسسات وهياكل حركة فتح وكتائب الأقصى التابعة لها. وخطوة الاحتجاج الغزاوية على سير أعمال انتخابات البرايمرز تؤكد وجود أزمة مركبة مزدوجة، تنظيمية وسياسية.
ففي الجانب التنظيمي نلحظ أزمة مؤسسات الحركة الداخلية مع غياب التراتبية القائمة على أساس الكفاءة والمقدرة والإنتاجية والتاريخ الناتجة. ولا تعني بالضرورة بأن فتح سائرة نحو التفكك أو الانقراض كما أشاع ويشيع البعض ممن شبهوا حركة فتح بـ »العجوز المصابة بالشيزوفرينيا« التي بدأت تتآكل من الداخل، بفعل التناقضات الداخلية.
وساهم التأجيل المتكرر لانعقاد المؤتمر العام لحركة فتح (المؤتمر الأخير عقد في عام 1989 في تونس) في نمو الأزمة التنظيمية الداخلية، وتفاقم مظاهر الخلل، ونشوء ما يسمى بظاهرة »صراع الأجيال« حيث تم عملياً وضع حاجز أمام الكادر الشاب الذي نما وترعرع في ميدان العمل المقاوم والانتفاضة.
ومرت ثلاث دورات دون أن يتاح له فرصة المشاركة في مؤتمر الحركة، خصوصاً وأن تغيرات كبيرة حدثت منذ عقد المؤتمر السابق مثل حرب الخليج الثانية وانقلاب الخارطة الدولية، وما رافق ذلك من انعكاسات على القضية الفلسطينية.
وفي هذا السياق يوجه الجيل الشاب في حركة فتح سهام نقده لبعض المفاصل القيادية الأولى للحركة، والتي في يدها مفتاح التغير ولا تستخدمه، وهذا كله انعكس على دور حركة فتح. ولم تقم الحركة بعملية نقدية شاملة لمواقفها وبرامجها وأهدافها بل ظلت تعتمد الغمغمة ومنطق الترقيع.
في هذا السياق أيضا، نشأت كتائب الأقصى باعتبارها تحمل سمة التواصل، فكانت تحولاً بارزاً داخل حركة فتح خلال سنوات عمرها، وأحد ابرز المخاضات السياسية التي تعرضت لها منذ انطلاقها، فعبرت عن حالة الغضب .
والاحتقان التى ترسبت لدى القاعدة الشعبية الفتحاوية نتيجة للفساد والجمود المسيطرين على السلطة الفلسطينية ورجالها من بعض قادة الصف الأول للحركة، ولاقت تلك الحالة من الغضب تجاوباً من بعض القادة الذين تحملوا عبء قيادة الانتفاضة الأولى.
وتعرض هؤلاء القادة الميدانيون من أبناء غزة والضفة الغربية خصوصاً اللاجئين منهم للتهميش، فيما كانوا هم الأكثر التصاقا وقربا من الشعب الفلسطيني.
وبالنتيجة، لم تنج حركة فتح من أثار التحولات الدولية في العقد الأخير، ونتائجها التي هزت الأحزاب والقوى على امتداد المعمورة.
وارتقاء الوعي السياسي والفكري، الأمر الذي يضع أمامها جملة من المهام لاستعادة أو تجديد شبابها قبل أن تصاب بالشيخوخة والترهل، وضرورة اعادة تطوير هياكلها، وبناء مؤسسات قيادية بعيدة عن السلطة المطلقة للبطريركية الأبوية.
فالتحدي الجديد بالنسبة لحركة فتح ومستقبلها في الخارطة السياسية الفلسطينية، تحد بالغ الخطورة وعميق الأثر، ويطرح عليها تجديد أدواتها ومؤسساتها المتواضعة، ودفع الجيل الجديد الرابع من قياداتها الميدانية نحو المواقع المقررة، فهو بحق الجيل القيادي الشباب الصاعد المنتمي إلى اللون السياسي المقاوم في الانتفاضة.
فالجيل الأول هو جيل المؤسسين الذي لم يتبق منه على قيد الحياة سوى أربعة أفراد: هاني الحسن، فاروق القدومي، ومحمود عباس، محمد راتب غنيم، والثاني هو جيل الصعود على امتداد السبعينات من القرن الماضي، والثالث هو جيل ما بعد بيروت 1982.
بينما ينتمي الجيل الرابع إلى الصف القيادي الثاني، أي إلى عضوية المجلس الثوري للحركة، وهو الجيل الذي نما وترعرع في الداخل الفلسطيني في ظل الانتفاضتين الأولى والثانية.
وتالياً لم يحمل من نتوءات وتشوهات وأمراض وخطايا ثورة الشتات سوى »قدره« الذي وضعه في وعاء اختبار فسيفسائي مع ما تراكم من مثالب بعد نشوء »سلطة فلسطينية وبريق الامتيازات« بعد العام 1994، وهنا بالضبط تكتسي حركة فتح موقعاً ريادياً فلسطينياً يمكن له أن يحفظ ويطور دورها التاريخي كحزب أو ائتلاف تنظيمي داخل بنى المجتمع الفلسطيني.
وعليه فان المقدمات الضرورية لإعادة الروح لحركة فتح، تقتضي إتمام عملية انتخابات البرايمرز بطريقة شفافة وديمقراطية تضمن مشاركة الجيل الشاب في الترشيح، وتؤهله الى المواقع المضمونة في قوائم حركة فتح لانتخابات المجلس التشريعي المقبلة وعلى طريق عقد المؤتمر العام السابع لحركة فتح.
كاتب فلسطيني ـ دمشق