تقوم الفلسفة الحديثة لنجاح الصحف على أن الصحيفة لكي تكون ناجحة ينبغي لها أن تكون صحيفة استراتيجية. ما معنى ذلك وما الذي يميزها عندئذ عن اية صحيفة اخرى؟
يعد هذا السؤال جوهرياً اذا ما ادركت الصحف حالياً ان متطلبات الصمود في الاسواق ومواجهة المنافسين فيه صار يشترط تكتيكاً وبناء لاستراتيجية محددة المعالم وواضحة الاهداف.
الصحيفة الاستراتيجية هي الصحيفة التي تستوعب متطلبات السوق وتستطيع أن تؤسس القيم والثقافة الاجتماعية الجديدة المطلوبة وتحدد أهدافاً خاصة بها وتضع الخطط الضرورية للوصول الى تلك الاهداف. ويضاف الى ذلك ان لكل صحيفة هويتها وروحها ولايمكن ان تتقمص صحيفة ما شخصية واستراتيجية صحيفة اخرى حتى لو كانت ناجحة وتتوقع لنفسها في المقابل النجاح أو التفوق.
تقوم فكرة بناء (الاستراتيجية) للصحف على محاور عدة حددتها احدى الدراسات على النحو التالي: استيعاب الصحيفة وادراكها لقيمها ومبادئها بشكل جلي لا ضبابية فيه على ان تكون هذه القيم والمبادئ معروفة لدى الجميع، خلق رؤية واضحة ومفهومة للاهداف المطلوب تحقيقها خلال كل مرحلة ووضعية الصحيفة في كل مراحلها ومكانتها في السوق ووضعها التنافسي.
تحديد عبارة تجسد في كلماتها المهمة الرئيسية للصحيفة ضمن الاطار العام المستوعب لصناعة الصحف، وضع التكتيكات والقواعد المطلوبة للمضي قدما لتحقيق هذه الرؤية.
وضع ادوات يتم من خلالها قياس كل مايمكن قياسه من اداء للتأكد من انجاز الخطوات المطلوب انجازها وبالشكل المتوقع. وهذا معناه اختصارا بأن تكون الصحيفة مدركة الى اين تسير وباتجاه اي هدف وبأية آلية ووسيلة وما ان كانت تسير بشكل ناجح وثابت أم لا.
من بين كل هذه المحددات تظل القيم الصحافية هي الأهم والأكثر حساسية لأنها هي الفارق الذي يميز صناعة الصحف عن غيرها من الصناعات ولأن التمسك بها هو الذي يضمن للصحف بقاء الروح الحقيقية للاعلام حتى لا تنصهر مؤسسات الاعلام مع مئات المؤسسات الاخرى وتفقد هويتها.
ومن هنا جاء التأكيد في دول الغرب ـــ وهي تعيد باستمرار بناء سياسات بقاء الصحف في العصر الحديث ـــ على ضرورة ألا يبتعد القائمون على المؤسسات الاعلامية كثيراً عن روح الإعلام وقيمه وسط انشغالهم الدائم ببقاء هذه المؤسسات ناجحة ومنافسة من الطراز الاول. وتأتي أهمية ابقاء هذه الروح متوقدة لأن بها تكون الرؤية جلية والطريق أكثر وضوحاً.
عندما يسأل رؤساء التحرير عن القيم الصحافية التي ينبغي بقاؤها على الدوام في الصحف مهما تقلب العالم في الخارج يجتمعون على حصر القيم ذاتها وهي العدالة والموضوعية والاتزان والحكمة والنزاهة والمصداقية والمصلحة العامة.
وجود صحيفة استراتيجية يتطلب معه ايضا ادارة استراتيجية وهذه تقوم على ثلاثة مرتكزات هي: استيعاب صناعة الصحف في المقام الأول، واستيعاب متطلبات السوق ثانيا، واستيعاب طبيعة المنافسين ثالثا.
واستيعاب صناعة الصحف معناه ان يلم القائمون على هذه الصناعة بتاريخ صناعة الصحف منذ البدء ونقاط التحول التي صادفتها الصحف على مر العصور في التوزيع والاعلان وصعود نسبة القراء وهبوطها ومتى واجهت الصحف أزمة مع المنافسين من تلفزيون وصحف اخرى ومجلات وانترنت وغيرها.
وان يدركوا ما الذي يقوم عليه اساساً اقتصاد صناعة الصحف، وماهي النسبة الصحيحة بين المادة التحريرية الى المادة الاعلانية، ماهي النسب الطبيعية بين المردود المالي للاعلان الى الاشتراكات الى التوزيع، ماهو حجم الانفاق الطبيعي للصحف على المواد الاساسية من ورق وأحبار وأفلام وطباعة ورواتب عاملين وغيرها.
وهل النجاح في الاعلان هو الذي يضمن نجاح الصحيفة ام نجاح مادة التحرير أو الاثنان معا. لابد وان يكون لدى القائمين على صناعة الصحف خبرة ومعرفة بهذا التاريخ وبتجارب الصحف الاخرى ووضع الصحف في الماضي والحاضر والمستقبل بكل تحدياته.
ادارة الصحف بشكل استراتيجي تتطلب إلماماً تاماً بحاجات السوق والتي تحدد من خلال القارىء أولاً والمعلن ثانياً. من هو الجمهور المستهدف وماهي خصائصه الديمغرافية والجغرافية والنفسية؟.
ماهي حدود السوق الداخلي والخارجي؟ اين مناطق القوة والضعف في السوق؟ ماهو مستوى القارىء المعيشي؟ اين يصب النشاط الاقتصادي وكيف تسير الحركة التجارية؟.
القائمون على الصحف لابد وان يقوموا برصد دقيق لكل التغييرات التي تشهدها الاسواق، يرصدون المدن التي توسعت، التركيبة السكانية وكيف تغيرت، القوة الشرائية وكيف تبدلت. ولا يكفي الرصد فقط بل لابد من فهم السبب والتكهن بالقادم والتحضير له قبل وقوعه.
الاستيعاب الكامل للمرتكزات السابقة لايضمن لوحده النجاح للصحف. فبدون القدرة على ادارة الداخل وقيادة المؤسسة ومن فيها قد يسوق الصحيفة الى الفشل. القيادة الناجحة وتسيير أمور العاملين في الصحف بمهارة وذكاء من اهم عناصر إدارة الصحيفة الاستراتيجية.
موضوع إدارة الموارد البشرية العاملة في الصحف يتطلب هو الآخر استيعاب نظريات الإدارة منذ البدء. كيف بدأ البحث والتقصي وعلى مدى أكثر من 80 عاماً عن الكيفية المناسبة لتنظيم العمل داخل المؤسسات. كانت الأفكار الأساسية في الادارة تتمحور حول كون المؤسسات هيئات تضم آلات ومعدات يفترض ان يتم ادارتها من قبل العاملين بها بنظم ذات فعالية عالية.
وكيف تطور المفهوم الذي كان يعتمد على الحافز المادي في نظرية آدم سميث في القرن الثامن عشر، ثم الى مفاهيم الادارة العلمية عند فردريك تايلور، وبعدها الى بيروقراطية ماكس ويبر، ثم الى نظريات العلاقات الانسانية .
ومنه الى علم السلوك داخل المؤسسات. وصارت النظريات الحديثة تدور حول مفهوم المرونة والقدرة على التأقلم مع المتغيرات البيئية الداخلية والخارجية التي تواجه المؤسسات مع الوضع بعين الاعتبار كل الاطراف من عملاء وعاملين ومؤسسين وغيرهم.
في سعي القائمين على ادارة المؤسسات الصحافية بطريقة استراتيجية ينبغي النظر باستمرار الى ما تتوصل اليه آخر الدراسات حول الصحف سواء ما تعلق منها بالقراء أو بالمعلنين أو بالادارة أو بالصحافيين وغيرها.
التواصل مع العالم في الخارج وتطوير العلاقة بين المؤسسة والخارج وبين المؤسسة والداخل هو أحد مؤشرات الاستراتيجية الحديثة في ادارة الصحف اليوم.
مديرة إدارة التطوير ـــ البيان
Heyamm@albayan.ae