من الطبيعي، بل والضروري ان يسعد رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون بالتصريحات المصرية والفلسطينية التي تحدثت عن قدرته على تحقيق السلام، خاصة وانها جاءت بعد التصريحات الشهيرة للرئيس الامريكي جورج بوش التي وصفت شارون بأنه رجل سلام.

وبعد الخطوة المثيرة للدهشة التي اتخذها شارون بالانسحاب من تكتل الليكود وتأسيس حزبه الجديد (كاديما) وهي الخطوة التي ربطها برغبته في السير على طريق السلام مع الفلسطينيين، فانه ليس غريبا ان يتحدث شارون او ان يعلن عن انه (يكره الحرب). واذا كان رئيس الوزراء الاسرائيلي يسعى الى رسم صورة جديدة او مغايرة للصورة التقليدية والمعروفة له اسرائيليا وعربيا ودوليا، وهي الصورة التي تكونت وترسخت عناصرها ومكوناتها على مدى سنوات طويلة، فانه من المؤكد ان الامر يحتاج ما هو اكثر بكثير من مجرد الادلاء ببعض التصريحات التي ترمي الى تحسين الصورة او تبييض الوجه الذي يحمل تراكمات سنوات طويلة.

جميل ان يتحدث شارون عن كراهيته للحرب، وحتى اذا افترضنا جدلا انه الآن وفي نهاية السبعينيات من عمره ربما كره الحرب او بالاحرى مل من طولها واستمرارها بعد ان قضى حياته منذ صباه في اتونها، فانه من غير الممكن ان يطلب من العرب وخاصة الفلسطينيين ان يقلبوا الصفحة وان ينسوا ما مضى او ان يتعاملوا معه بصفته الجديدة التي يريد. فمن المعروف انه في الوقت الذي كان فيه شارون يتحدث عن كراهيته للحرب كانت قواته تمارس الحرب ضد الاطفال والنساء والابرياء الفلسطينيين بمن فيهم المعتقلون العزل في سجن عوفر سيئ السمعة.

وحتى لا نغلق الطريق ولو امام بصيص امل لان يتغير شارون في نهاية العمر وهو ما يشاركه فيه شيمون بيريز الذي انسحب من حزب العمل الذي كان يرأسه حتى قبل بضعة اسابيع، فانه من المؤكد ان المسألة ليست مجرد تصريحات وكلمات تطلق ولا يتبقى منها شيء يمكن الامساك به بعد التصريح بها. ولكن الامر يحتاج في الواقع الى مواقف عملية والى جرأة والتزام وخطوات ملموسة ومحسوبة كذلك من اجل احداث تغيير حقيقي في الموقف الاسرائيلي خاصة وان اسرائيل هي التي تحتل الاراضي العربية منذ عدوانها في عام 1967. وذلك تحديدا هو ما اكد شارون انه لن يقدم عليه، فقد رفض الانسحاب من طرف واحد من الضفة الغربية المحتلة كما حدث في قطاع غزة، كما اكد تمسكه بالمستوطنات الاسرائيلية الكبيرة في الضفة الغربية وبالقدس الموحدة عاصمة لاسرائيل. وبعبارة اخرى فانه يريد ان يحتفظ بثمار الاحتلال والاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة في عام 67 او معظمها ويقدم للعرب فقط حبه للسلام او كراهيته للحرب كما يقول!!

من جانب اخر اكد شارون على استعداده للاعتراف بدولة فلسطينية والتوصل الى سلام مع الفلسطينيين، غير انه وكالعادة عاد وتحدث عن عدم المساومة على امن الاسرائيليين. واذا اتفقنا على مبدأ انه لا مساومة على امن اي من الطرفين (الفلسطينيين والاسرائيليين) باعتبار ان امنهما مرتبط ومتبادل وانه لا يمكن لاي منهما ان يحقق امنه بمعزل عن الاخر، فانه يمكن في هذه الحالة فقط تناول مختلف القضايا. هذا فضلا عن ان الازدواجية والانفصال الكامل بين التصريحات والمواقف العملية على الارض لن تؤدي سوى الى عدم المصداقية لان المواقف على الارض هي التي تضفي على التصريحات معناها وقيمتها.وبدون ذلك يصبح الامر اقرب الى ممارسة اساليب قديمة للعلاقات العامة لايمكن ان تأخذها الاطراف المعنية بالجدية اللازمة والضرورية اذا ظلت منبتة الصلة بالواقع العملي على الارض. فهل يترجم شارون تصريحاته الى مواقف عملية؟.