بانتهاء المرحلة الثالثة والأخيرة من الانتخابات التشريعية المصرية، تدخل الحياة البرلمانية طورا جديدا، تقلص فيه حجم نواب الموافقة بصورة لم يسبق لها مثيل تحت قبة البرلمان.

وبارتفاع ملحوظ في عدد النواب المنتمين إلى جماعة الأخوان المسلمين التي يصر البعض على توصيفها بالمحظورة ،وبعد أن كشفت صناديق الاقتراع مدى هشاشة المعارضة الليبرالية واليسارية، رغم الصوت العالي لهذه القوى من خلال الصحف والمنابر المعبرة عنها.

اشتكى البعض في المراحل الانتخابية الثلاث من تجاوزات لا يمكن إنكارها مثل الحجم المبالغ فيه من الإنفاق على الدعاية الانتخابية، وعمليات البلطجة والعنف التي رافقت عمليات التصويت في بعض الدوائر، وشراء الأصوات في دوائر أخرى.

وتدخل الأمن في هذه المحافظة أو تلك، غير أن وقفة رجال القضاء الصلبة دفاعا عن نزاهة الانتخابات، جبت الكثير من الظواهر السلبية، وفتحت نافذة أوسع على ساحة الحرية التي يحلم بها المصريون لوطنهم.

لكن يبقى الانزعاج الواضح وسط النخبة الثقافية من الصعود البارز للإخوان، والهجوم الواسع على الجماعة بالحق حينا وبالباطل أحيانا، اختبار لمدى تهيئة التربة السياسية لتقبل نتائج اللعبة الديمقراطية، ومقدار الصدق في استعداد الجميع لتقبل الأخر، والتأثير في مثار حركته عبر الجدل العام للأفكار ورصد الممارسات.

وتصحيح السلبي منها، لان من نفذوا إلى قاعة البرلمان، رضينا بهم أم رفضناهم، هم حصاد ما زرع في حقل السياسة المصرية عبر السنوات الطويلة التي سبقت الانتخابات الأخيرة، وهم جميعا ليسوا نبتا شيطانيا، أو كائنات خرافية هبطت فجأة فوق رؤوسنا.

ولابد أن نعترف أن الرغبة المحمومة في التغيير في الشارع المصري كانت سببا في صعود نجم الأخوان بهذا الشكل الذي ربما لم تتوقعه الجماعة نفسها رغم تاريخها الطويل في العمل السياسي، وقدرتها على الانحناء للعواصف، وهو ما يلقي عليها عبئا هائلا لإثبات، أنها كانت جديرة بهذه الثقة، وألا تجنح إلى ممارسات تبدد الرصيد الجديد الذي حازت عليه .

الجماعة إذن تدخل اختباراً صعبا، وعليها أن تبرهن أنها، جادة في تقبل الرأي الآخر، وأن تتخلص من ميراث الغموض، في دوافعها وأهدافها للعمل السياسي، وان تثبت أنها تؤمن حقيقة لا قولا بالديمقراطية، وان مصالح الأوطان اكبر من النظرة الضيقة لأي جماعة سياسية .

ويجب أن تدرك أن نشوة النصر، لا تدوم طويلا أمام تقديم كشف الحساب عن أعمالها داخل البرلمان وخارجه، باعتبارها القوة الثانية بعد الحزب الحاكم، وان تعلم أنها باتت تحت المجهر، لان صعودها البرلماني سلاح ذو حدين، إما أن يؤكد أنها كانت جديرة بالأصوات التي حصلت عليها.

أو أن ينفض الناس من حولها كما انفضوا من حول أحزاب المعارضة التي تاهت في دهاليز المراوغات، والعجز عن الخروج من الشرنقة التي نسجت حول حركتها .

وفي حقيقة الأمر ليس الإخوان وحدهم من هم تحت الاختبار، إذن أن البرلمان بكل نوابه سيكون محل اختبار على مدى قدرته على تقديم نقله نوعية في اتجاه المزيد من الممارسة الديمقراطية، وإنعاش الحريات العامة، لصالح المستقبل .