أزمة المثقف العربي

أزمة المثقف العربي

يقول بعض المتعاملين مع الثقافة بأن النقد الهادىء، ومسك العصا من منتصفها والمجاملة في نقد الانتاج الثقافي غير مجدية وان أوضاع المثقف والثقافة في عالمنا العربي تحتاج إلى نقد يرقى للصعق الكهربائي حتى يصحو الغافلون من جهة.

وحتى يقف وينتهي الزيف في مجال الثقافة من جهة أخرى. ونعتقد بالنقد الموضوعي الهادف بعيداً عن الاتجاهين السابقين، فلا نريد تحطيم الذات بعد جلدها، ولا نريد تسيباً وتكراراً لما هو قائم.

لقد كنت من ضمن الناس الذين تتبعوا ما عرضته علينا الفضائيات العربية في شهر رمضان الفائت من برامج ومسلسلات وتأملتها، وفي حدود اجتهادي المتواضع قلت هذا عبث لا علاقة له بالثقافة والإبداع، بل هي ثقافة التخلف والاستهلاك، لكن هذا الرأي لا يكفي ما لم نقف على أسبابه وملابساته.

ولا نبخس حق بعض المثقفين، ويبقى السؤال من الذي أوصلنا الى هذه الحالة؟ وأين دور المبدعين والمثقفين الحقيقيين، لماذا غابوا عن الساحة أم هم أصلاً غير موجودين ليتصدر هذا الكم من العبث الدرامي والكوميدي وسطحية ما يسمى شعراً وأغنية مع ضحالة وسطحية الكثير من الكتابات؟

ان هذا الوضع المحزن للثقافة جزء من حالة عامة نعيشها في مجتمعاتنا العربية التي تعج بالتخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي، فماذا يمكن ان تكون عليه أوضاع الثقافة في بلداننا ونحن نعيش اشكالية الحرية والديمقراطية.

والفساد الإداري والمالي، ونبحث عن الاصلاح، ولا نستطيع تحقيقه، وننتظر ضغطاً خارجيا كي نتحرك للقيام ببعض الاصلاحات، ان الاشكالية الرئيسية في بلداننا وتتفرغ منها كل المشاكل هي مسألة الحرية المسؤولية والديمقراطية الحقيقية.

وأساس كل ذلك أزمة المثقفين، فهل هي أزمة عدم وجود مثقفين، أم مثقفون لا يحملون صفات ومعايير الثقافة، ادخلهم الزمن الرمادي الأغير ميدان الثقافة فخربوها وقتلوها ثم مشوا في جنازتها.

تجتاح وسائل إعلامنا موجة عامة من الكتابات المسطّحة والفارغة المحتوى، والهدف تسمى ثقافة، فهناك جهلة لا يفهمون معنى كلمة ثقافة قد مسكوا الأقلام ليكتبوا في كل شيء، ويطلقون على ما يكتبون ويقولون ثقافة!

حتى أصبح لدينا مثقفون بالوكالة يكتبون لمن يدفع أكثر لتنشر تلك الكتابات بأسماء أطلق عليهم مثقفون، وهؤلاء لا يختلفون عن بعض الأكاديميين في جامعاتنا الذين تكتب لهم البحوث والأطروحات بمقابل مالي، والمال متيسّر لدى الكثيرين اليوم وبخاصة في منطقة الخليج العربي.

وسط هذا الكم الزائف ما يسمى ثقافة ومثقفين، هناك نخبة مثقفة ثقافة حقيقية جادة ومنتجة، ونوعية تحاول أن تبث النور والتنوير وسط هذا الظلام والتخلف، لكن المشكلة تكمن في أن التيار المعاكس لها جارف وقوي قوة زلزال تسونامي.

إذا كانت الثقافة هي الإنتاج الذهني والروحي والسلوكي والقيمي لأناس مبدعين ومجتهدين نشيطين يريدون التقدم لشعوبهم من خلال رؤية واضحة، ونقد الواقع، وتنوير مجتمعاتهم، واستشراف المستقبل، فإن واقع ثقافتنا ومثقفينا لا علاقة لهم بهذا المفهوم، والمعنى الثقافي.

وليقل لنا المتفائلون ما يقولون نطلب منهم فقط الإجابة على عدد من الأسئلة التي تشكل الهم الثقافي في عالمنا العربي مثل: هل التعليم العام والجامعي في بلداننا يحمل حساً وقيماً ثقافية؟

إذاً لماذا ألغي في المرحلة الابتدائية لتعليم الأطفال: »مع حمد قلم« ليستعاض عنها »أنا آكل وأبي يأكل«؟! ولماذا هذا الضعف الثقافي للطلبة في التعليم العام والجامعي، فلا يستطيعون التعبير عن أنفسهم وأفكارهم قولاً وكتابة؟

ولماذا هذا الضعف الثقافي لدى عدد لا بأس به من حملة الدكتواره: لماذا انجرف بعض المثقفين مع تيار الثقافة الاستهلاكية والنفعية ونسوا أو تناسوا رسالتهم ويتظاهرون بعكس ذلك؟

لماذا يعيش المثقف عبء الماضي أكثر من اهتمامه بالحاضر والمستقبل وبعقلية سلفية كاملة؟ لماذا لا نرى وسط هذا الكم الهائل من المتعلمين عدداً كافياً من المثقفين؟ وهل دجنت الثقافة لتكون ويكونوا في خدمة السياسة؟ هل نعيش أمسية ثقافية إلى جانب أميتنا التكنولوجية؟ لماذا لا يقرأ الجيل الجديد، ولماذا توقف المثقفون والأكاديميون عن القراءة؟

لماذا يقف المثقف العربي »الديمقراطي« مع الديكتاتورية ويدافع عنها ويبرر أفعالها؟ عندما نتمكن من الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها نكون قد خطونا في الاتجاه الصحيح، ووضعنا قدمنا على الطريق وبدأنا مسيرة الثقافة الحقيقية.

ودعونا نعرج على مسألة أخرى تتعلق بالأزدواجية والتناقص اللذين يعيشهما ما يسمى بالمثقف في عالمنا العربي، لدى عدد من المثقفين العرب عشرات الكتب ومئات المقالات والمساهمات الثقافية عن الحرية والديمقراطية .

ولكن للأسف يعيش في عقل ووجدان كل واحد منهم دكتاتور صغير لا يستطيعون التخلص منهم فهم ديمقراطيون ويؤيدون الديكتاتورية.. يبررون أفعالها! كيف يستقيم ذلك بين القول والفعل؟ كيف نكتب ونتحدث عن الديمقراطية ونمارس في الواقع عكس ذلك؟

وسأتجنب ذكر الأمثلة على ذلك فالقانون يمنعنا من ذكر الأسماء لكن القارىء الواعي يدرك الرسالة ويعرف ماذا نقصد. ألا يدل ذلك السلوك على أزمة حقيقية يعيشها المثقف العربي.

ان نقطة البداية نقد الذات فالشعوب التي تقدمت قد بدأت بزرع ثقافة حقيقية وبحركة تنوير حتى العرب في بعض مراحل تاريخهم، نقول لا يمكن إصلاح احوالنا بثقافة ينتجها مثقفون هم أنفسهم يحتاجون الى التقييم والتقويم.

والقضية شاملة لأوضاعنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأدبية والتعليمية لا يمكن ان يكون مصدر الأزمة حلاً للأزمة والأمل في جيل جديد من المثقفين لا يطرح جديداً بقدر ما يحدد ويغربل وينقد ثقافة قائمة متخلفة سكونية ونائمة.

كيف نفهم ونمارس الحرية والديمقراطية اذا كان ولايزال لدينا قصور ثقافية في فهم المعنى الحقيقي لمثل هذه المصطلحات، المشكلة لا تكمن في الإنسان العادي ولا في عامة الناس بل في المثقفين فإما ادعاءً ثقافياً أو ثقافة مؤدلجة لا ديمقراطية أساسها التعصب والنزاع، فكثير من الأحيان يكون المثقف ونشاطه عائقاً للتطور.

لقد أتاحت هذه المرحلة التاريخية لوجود واتساع الطبقة الوسطى في مجتمعاتنا، وظهرت بين صفوفها النخبة المثقفة واختلط الحابل بالنابل فرأينا مثقفين معوقين ذهنياً هم سبب مشاكلنا، وأصبحت أزمة المثقف العربي تؤرقنا.

٭ كاتب كويتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات